ابن قيم الجوزية
218
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ هل تجدون فيها أن إسرائيل حرّم على نفسه ما حرمته التوراة عليكم ، أم تجدون فيها تحريم ما خصه بالتحريم ، وهي لحوم الإبل وألبانها خاصة ؟ وإذا كان إنما حرم هذا وحده ، وكان ما سواه حلالا له ولبنيه ، وقد حرمت التوراة كثيرا منه : ظهر كذبكم وافتراؤكم في إنكار نسخ الشرائع ، والحجر على اللّه تعالى في نسخها . فتأمل هذا الوضع الشريف الذي حام حوله أكثر المفسرين ، وما وردوه . وهذا أولى من احتجاج كثير من أهل الكلام ، عليهم بأن التوراة حرمت أشياء كثيرة من المناكح والذبائح ، والأفعال والأقوال . وذلك نسخ بحكم البراءة الأصلية . فإن هذه المناظرة ضعيفة جدا . فإن القوم لم ينكروا رفع البراءة الأصلية بالتحريم والإيجاب . إذ هذا شأن كل الشرائع . وإنما أنكروا تحريم ما أباحه اللّه تعالى ، فيجعله حراما ، وتحليل ما كان حرمه فيجعله مباحا . وأما رفع البراءة والاستصحاب . فلم ينكره أحد من أهل الملل . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 116 إلى 117 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 116 ) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 117 ) هذا مثل ضربه اللّه تعالى لمن أنفق ماله في غير طاعة ربه ومرضاته . فشبه سبحانه ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء ، وحسن الذكر ، ولا يبتغون به وجه للّه ، وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل اللّه وأتباع رسله - بالزرع الذي يزرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره ، فأصابته ريح شديدة البرد جدا ، يحرق بردها كل ما يمر عليه من الزرع والثمار ، فأهلكت ذلك الزرع وأيبسته .