ابن قيم الجوزية

219

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

واختلف في الصرّ . فقيل : البرد الشديد . وقيل : النار . قاله ابن عباس . وقال ابن الأنباري : إنما وصفت الريح بأنها صر لتصويتها عند الالتهاب . وقيل : الصر : الصوت الذي يصحب الريح من شدة هبوبها . والأقوال الثلاثة متلازمة . فهو برد شديد محرق ليبسه الحرث ، كما تحرقه النار وفيه صوت شديد . وفي قوله أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ تنبيه على أن سبب إصابتها لحرثهم هو ظلمهم . فهو الذي سلط عليهم الريح المذكورة ، حتى أهلكت زرعهم وأيبسته . فظلمهم هو الريح التي أهلكت أعمالهم ونفقاتهم وأتلفتها . أما الخذلان [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 160 ] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 ) وأصل الخذلان : الترك والتخلية ، ويقال للبقرة والشاة إذا تخلفت مع ولدها في المرعى وتركت صواحباتها : خذول . قال محمد بن إسحاق في هذه الآية : إن ينصرك اللّه فلا غالب لك من الناس ولن يضرك خذلان من خذلك ، وإن يخذلك فلن ينصرك الناس ، أي لا تترك أمري للناس ، وارفض الناس لأمري . ولخذلان : أن يخلق اللّه تعالى بين العبد وبين نفسه ويكله إليها والتوفيق ضده : أن لا يدعه ونفسه ، ولا يكله إليها ، بل يصنع له ويلطف به ويعينه ، ويدفع عنه ، ويكلؤه كلاءة الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه ، فمن خلى بينه وبين نفسه فقد هلك كل الهلاك . ولهذا كان من دعائه صلّى اللّه عليه وسلّم « يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت ،