ابن قيم الجوزية
186
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وإذا كان القيام بالقسط يكون في القول والفعل : كان المعنى : أنه كان سبحانه يشهد ، وهو قائم بالعدل عالم به ، لا بالظلم . فإن هذه الشهادة تضمنت قولا وعملا . فإنها تضمنت أنه هو الذي يستحق العبادة وحده دون غيره ، وأن الذين عبدوه وحده هم المفلحون السعداء . وأن الذين أشركوا به غيره : هم الضالون الأشقياء . فإذا شهد قائما بالعدل المتضمن جزاء المخلصين بالجنة ، وجزاء المشركين بالنار : كان هذا من تمام موجب الشهادة ، وتحقيقها . وكان قوله : « قائما بالقسط » تنبيها على جزاء الشاهد بها والجاحد لها . واللّه أعلم . فصل وأما التقدير الثاني - وهو أن يكون قوله : « قائما » حالا مما بعد « إلا » - فالمعنى : أنه لا إله إلا هو قائما بالعدل . فهو وحده المستحق الإلهية ، مع كونه قائما بالقسط . قال شيخنا : وهذا التقدير أرجح . فإنه يتضمن أن الملائكة وأولي العلم ، يشهدون له بأنه لا إله إلا هو ، وأنه قائم بالقسط . قلت : مراده : أنه إذا كان قوله : « قائما بالقسط » حالا من المشهود به : فهو كالصفة له . فإن الحال صفة في المعنى لصاحبها . فإذا وقعت الشهادة على ذي الحال وصاحبها ، كان كلاهما مشهودا به . فيكون الملائكة وأولوا العلم قد شهدوا بأنه قائم بالقسط ، كما شهدوا بأنه لا إله إلا هو . والتقدير الأول لا يتضمن ذلك . فإنه إذا كان التقدير : شهد اللّه قائما بالقسط : أنه لا إله إلا هو ، والملائكة وأولو العلم يشهدون أنه لا إله إلا هو - كان القيام بالقسط حالا من اسم اللّه وحده . وأيضا : فكونه قائما بالقسط فيما شهد به أبلغ من كونه حالا من مجرد الشهادة .