ابن قيم الجوزية
172
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وتأمل ختم هذه السورة ، التي هي سنام القرآن بأحكام الأموال وأقسام الأغنياء وأحوالهم . وكيف قسمهم إلى ثلاثة أقسام : محسن ، وهم المتصدقون . فذكر جزاءهم ومضاعفته ، ومالهم في قرض أموالهم للمليء الوفي سبحانه ، ثم حذرهم مما يبطل ثواب صدقاتهم ويحرقها بعد استوائها وكمالها من المن والأذى ، وحذرهم مما يمنع ترتب أثرها عليها ابتداء من الرياء . ثم أمرهم أن يتقربوا إليه بأطيبها ، ولا يتيمموا أردأها وخبيثها . ثم حذرهم من الاستجابة لداعي البخل والفحش ، وأخبر أن استجابتهم لدعوته سبحانه وثقتهم بوعده أولي بهم . وأخبر أن هذا من حكمته التي يؤتيها من يشاء من عباده ، وأن من أوتيها فقد أوتى خيرا كثيرا : أوتي ما هو خير وأفضل من الدنيا كلها ، لأنه سبحانه وصف الدنيا بالقلة ، فقال تعالى : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وقال تعالى : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً فدل على أن ما يؤتيه اللّه عبده من حكمته خير له من الدنيا وما عليها ، ولا يعقل هذا كل أحد ، بل لا يعقله إلا من له لب وعقل زكي . فقال تعالى : وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ . ثم أخبر أن كل ما أنفقوه من نفقة أو تقربوا به إليه من نذر فإنه يعلمه ، فلا يضيع لديه ، بل يعلم ما كان منه لوجهه فيتولى هو سبحانه مجازاته من واسع فضله ويكل جزاء من عمل لغيره إلى من عمل له فإنه ظالم لنفسه وما له من نصير . ثم أخبر سبحانه عن أحوال المتصدقين لوجهه في صدقاتهم ، وأنه يثيبهم عليها ، إن أبدوها أو كتموها بعد أن تكون خالصة ، لوجهه فقال : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ أي فنعم شيء هي ، وهذا مدح لها موصوفة بكونها ظاهرة بادية ، فلا يتوهم مبديها بطلان أثره وثوابه ، فيمنعه ذلك من إخراجها ، وينتظر بها الإخفاء ، فتفوت أو تعترضه الموانع ويحال بينه وبين قلبه ، أو بينه وبين إخراجها . فلا يؤخر صدقته العلانية بعد حضور وقتها إلى