ابن قيم الجوزية
173
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وقت السر ، وهذه كانت حال الصحابة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 271 ] إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 271 ) فأخبر أن إعطاءها للفقير في خفية خير للمنفق من إظهارها وإعلانها . . وتأمل تقييده تعالى الإخفاء بإيتاء الفقراء خاصة ، ولم يقل : وإن تخفوها فهو خير لكم ، فإن من الصدقة ما لم يكن إخفاؤه كتجهيز جيش ، وبناء قنطرة ، وإجراء نهر أو غير ذلك ، وأما إيتاؤها الفقراء ففي إخفائها من الفوائد : الستر عليه ، وعدم تخجيله بين الناس ، وإقامته مقام الفضيحة ، وأن يرى الناس أن يده هي اليد السفلى ، وأنه لا شيء له فيزهدون في معاملته ومعاوضته . وهذا قدر زائد عن الإحسان إليه بمجرد الصدقة ، مع تضمنه الإخلاص ، وعدم المراءاة وطلب المحمدة من الناس ، وكان إخفاؤها للفقير خيرا من إظهارها بين الناس ، ومن هذا مدح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صدقة السر وأثنى على فاعلها ، وأخبر أنه أحد السبعة الذين هم في ظل عرش الرحمن يوم القيامة . ولهذا جعله سبحانه خيرا للمنفق ، وأخبر أنه يكفر عنه بذلك الإنفاق من سيئاته . ولا يخفي عليه سبحانه أعمالكم ولا نياتكم . فإنه بما تعملون خبير . ثم أخبر أن هذا الإنفاق إنما نفعه لأنفسهم ، يعود عليهم أحوج ما كانوا إليه فكيف يبخل أحدكم عن نفسه بما نفعه مختص بها عائد إليها ؟ وإن نفقة المؤمنين إنما تكون ابتغاء وجهه خالصا . لأنها صادرة عن إيمانهم ، وإن نفقتهم ترجع إليهم وافية كاملة . ولا يظلم منها مثقال ذرة . وصدر هذا الكلام بأن اللّه هو الهادي الموفق لمعاملته وإيثار مرضاته وأنه ليس على رسوله هداهم . بل عليه إبلاغهم . وهو سبحانه الذي يوفق من يشاء لمرضاته . ثم ذكر المصرف الذي توضع فيه الصدقة ، [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 273 ] لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 273 )