ابن قيم الجوزية

171

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

داعيا يقول له : متى أخرجت هذا دعتك الحاجة إليه ، وافتقرت إليه بعد إخراجه ، وإمساكه خير لك ، حتى لا تبقى مثل الفقير ، فغناك خير لك من غناه . فإذا صور له هذه الصورة أمره بالفحشاء وهي البخل الذي هو من أقبح الفواحش . وهذا إجماع من المفسرين : أن الفحشاء ، هنا البخل . فهذا وعده وهذا أمره . وهو الكاذب في وعده ، الغار الفاجر في أمره . فالمستجيب لدعوته مغرور مخدوع مغبون . فإنه يدلي من يدعوه بغروره . ثم يورده شر الموارد ، كما قيل : دلاهم بغرور ، ثم أوردهم * إن الخبيث لمن والاه غرار هذا وإن وعده له الفقر ليس شفقة عليه ، ولا نصيحة له ، كما ينصح الرجل أخاه ولا محبة في بقائه غنيا ، بل لا شيء إليه من فقره وحاجته . وإنما وعده له بالفقر وأمره إياه بالبخل ليسيء ظنه بربه ، ويترك ما يحبه من الإنفاق لوجهه ، فستوجب منه الحرمان . وأما اللّه سبحانه إنه يعد عبده مغفرة منه لذنوبه ، وفضلا بأن يخلف عليه أكثر مما أنفق وأضعافه أما في الدنيا أو في الدنيا والآخرة . فهذا وعد ، اللّه وذاك وعد الشيطان . فلينظر البخيل والمنفق أيّ الوعدين هو أوثق ؟ وإلى أيهما يطمئن قلبه وتسكن نفسه ؟ واللّه يوفق من يشاء ويخذل من يشاء . وهو الواسع العليم . وتأمل كيف ختم هذه الآية بهذين الأسمين وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ فإنه واسع العطاء عليم بمن يستحق فضله ومن يستحق عدله ، فيعطي هذا بفضله ، ويمنع هذا بعدله . وهو بكل شيء عليم . فتأمل هذه الآيات ولا تستطل بسط الكلام فيها فإن لها شأنا لا يعقله إلا من عقل عن اللّه خطابه وفهم مراده 29 : 43 وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ .