ابن قيم الجوزية
155
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
بمنزلة التراب الذي على ذلك الحجر . فقسوة ما تحته وصلابته تمنعه من النبات والثبات عند نزول الوابل . فليس له مادة متصلة بالذي يقبل الماء وينبت الكلاء . وكذلك المرائي ليس له ثبات عند وابل الأمر والنهي والقضاء والقدر . فإذا نزل عليه وابل الوحي تكشف عنه ذلك التراب اليسير الذي كان عليه . فبرز ما تحته حجرا صلدا ، لا نبات فيه . وهذا مثل ضربه اللّه سبحانه لعمل المرائي ونفقته ، لا يقدر يوم القيامة على ثواب شيء منه ، أحوج ما كان إليه . وباللّه التوفيق . قول الله تعالى ذكره : 2 : 282 أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى فيه دليل على أن الشاهد إذا نسي شهادته فذكّره بها غيره لم يرجع إلى قوله ، حتى يذكرها . وليس له أن يقلده . فإنه سبحانه قال : فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ولم يقل : فتخبرها . وفيها قراءتان : التثقيل والتخفيف . والصحيح : أنهما بمعنى واحد من « الذكر » وأبعد من قال : فيجعلها « ذكرا » لفظا ومعنى . فإنه سبحانه جعل ذلك علة للضلال ، الذي هو ضد الذكر . فإذا ضلت أو نسيت ذكرتها الأخرى فذكرت . وقوله : أَنْ تَضِلَّ تقديره عند الكوفيين : لئلا تضل إحداهما . ويطردون ذلك في كل ما جاء من هذا . كقوله تعالى : 4 : 175 يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ونحوه . ويرد عليهم نصب قوله : فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى إذ يكون تقديره : لئلا تضلوا . ولئلا تذكر . وقدره البصريون بمصدر محذوف . وهو الإرادة والكراهة والحذر .