ابن قيم الجوزية
156
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
ونحوها فقالوا : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا أي حذر أن تضلوا ، وكراهة أن تضلوا ونحوه . ويشكل عليهم هذا التقدير في قوله : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فإنهم إن قدروه كراهة أن تضل إحداهما : كان حكم المعطوف - وهو « فتذكر » حكمه - ، فيكون مكروها . وإن قدروها : إرادة أن تضل إحداهما ، كان الضلال مرادا . والجواب عن هذا : أنه كلام محمول على معناه . والتقدير : أن تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلت . وهذا مراد قطعا . وقال الشيخ ابن تيمية رحمة اللّه عليه : قوله تعالى : فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى . فيه دليل على استشهاد امرأتين مكان رجل هو لإذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت . وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة ، وهو النسيان وعدم الضبط . وإلى هذا المعنى أشار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قال : « أما نقصان عقلهن : فشهادة امرأتين بشهادة رجل » فبين أن شطر شهادتهن إنما هو لضعف العقل ، لا لضعف الدين . فعلم بذلك عدل النساء بمنزلة عدل الرجال . وإنما عقلها ينقص عنه . فما كان من الشهادة لا يخاف فيه الضلال في العادة لم تكن فيه على نصف الرجل . وما يقبل فيه شهادتهن منفردات إنما هو في أشياء تراها بعينها ، أو تلمسها بيدها ، أو تسمعها بأذنها ، من غير توقف على عقل ، كالولادة والاستهلال والارتضاع والحيض ، والنفاس ، والعيوب تحت الثياب . فإن مثل هذا لا ينسى في العادة ، ولا تحتاج معرفته إلى كمال عقل ، كمعاني الأقوال التي تسمعها من الاقرار بالدين وغيره . فإن هذه معان معقولة . ويطول العهد بها في الجملة .