السيد حيدر الآملي
306
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
فيموت عن الحياة الحقيقيّة العلميّة الّتي له بالجهل ، فإذا ماتت النفس عن هواها بقمعه ، انصرف القلب بالطبع والمحبّة الأصليّة إلى عالمه عالم القدس والنور والحياة الذاتيّة التي لا تقبل الموت أصلا ، وإلى هذا الموت والحياة أشار الحقّ تعالى في قوله : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [ الأنعام : 122 ] . ومعناه أو من كان ميتا بالجهل فأحييناه بالعلم وجعلنا له نورا فيه يمشي في الناس عالما كاملا حيّا بالحياة الأبديّة ، كمن هو في ظلمات الجهل بعد وما خرج منها ، وبل لا يمكن إخراجه منها ما دام هو موصوفا بالصفة المذكورة ، وقال جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام : « الموت هو التّوبة « 148 » ، قال تعالى :
--> ( 148 ) قوله : الموت هو التوبة لم أعثر بهذه العبارة في الأحاديث ، ولكن المضمون ، ثابت من جهة ومشهور في كلمات المحققين من العلماء من جهة أخرى وذلك لأنّ الموت في الحقيقة حياة جديدة وتولّد آخر للإنسان كما أن التوبة الحقيقيّة تكون كذلك ، لأنّ بها يحصل للتائب حياة جديدة معنوية وتولّدا آخر ، وهذا يؤثر في أعماله وحركاته وإعراضه عن المعاصي والشهوات وعن متاع الدنيا القليل ويتوجّه إلى اللّه سبحانه بالمراقبة والإخلاص ، نعم للتوبة مراتب ولكل مرتبة أحكام وآثار ، كما أنّ الموت كذلك . كما ورد : « الإسلام يجبّ ما قبله » وورد أيضا : « التوبة يجبّ ما قبلها » ، العوالي ج 2 ص 54 وج 1 ص 237 . هذا بمعنى كما أنّ الإسلام حياة للكافر ، التوبة أيضا حياة للمؤمن والمسلم . وروي عن النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه وآله : « الموت كفّارة لكلّ مسلم » ، أخرجه الغزالي في أحياء