السيد حيدر الآملي

37

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [ آل عمران / 7 ] . ووافق فيهم الّذي قيل : قل للّذين قضوا في البحث عمرهم * ثمّ اطمأنّوا وظنّوا أنّهم فرغوا الأمر أعظم من مرمى عقولكم * كم بالغ الناس في هذا وما بلغوا فاحتجنا إلى شرح آخر يكون أكمل منها « أي من الشروح المذكورة » في المعارف والحقائق ، وأحسن منها في الأساليب والتراكيب ، بل وفي اللطائف والدّقائق ، ويكون مشتملا على لباب قواعد ذوي الألباب محتويا على أنفس نفائسهم الفائضة من حضرة ربّ الأرباب ، مشيرا إلى ما في ضمن العوالم الكلّيّة من الأمور الغيبية موميا إلى ما في طيّ المراتب الروحانيّة والمراتب الجسمانيّة معطيا حقّ كلّ لفظة وكلمة بإظهار ما في ضمنها من الرموز والأسرار موضحا عمّا تحت إشاراتها البليغة من الغرائب والأبكار . فقمنا في طلبه - أي في طلب الشرح الأكمل لفصوص الحكم - واجتهدنا في تحصيله بمقتضى قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ المائدة / 35 ] . فاللّه تعالى بفضله وكرمه هدانا إليك ، وأرشدنا بالحضور بين يديك ، وأمرنا بالتماس هذا الأمر من أقوالك ، واستدعاء هذا المطلوب من أنفاسك لتكون شيخا وإماما لنا في سلوكنا وأستاذا ودستورا في طريق مطلوبنا . وأمّا سبب التخصيص بك فبصورتين أيضا : الأولى ، بما حصل لنا من اللّه تعالى خاصة بالكشف الصحيح والذوق الصريح ، وبما شهدت به عقولنا بعد اكتحالها بالأنوار القدسيّة ، ونطقت به نفوسنا بعد استضاءتها بالآثار الجبروتيّة ، فعرفنا بالتحقيق أن لك استعداد هذا الأمر الجليل ، وجزمنا باليقين التامّ أن لك استحقاق هذا الشغل الخطير ، وأنّك من الذين قال اللّه تعالى فيهم : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * [ النحل / 43 ] . وقال :