السيد حيدر الآملي

26

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

من ابتداء السّلوك إلى حين الوصول إجمالا : اعلم ، انّي من عنفوان شبابي بل من أيّام طفولتي إلى مدّة ثلاثين سنة أو قريب منها كنت في تحصيل عقائد أجدادي المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين ، من حيث الشّريعة وطريق الظّاهر المخصوصة بالطّائفة الإماميّة من بين الشّيعة ، حتّى حصّلت لبّها وخلاصتها ، وقرأت العلوم المتعلّقة بها من المنقول والمعقول على أستاذيها ، بعضها في بلدي آمل الّذي هو مولدي ومسقط رأسي ومسقط رأس آبائي وأجدادي ، وبعضها في خراسان واستراباد ، وبعضها في أصفهان ، وهذا كان في مدّة عشرين سنة ، حتّى رجعت من أصفهان إلى آمل مرّة ثانية ، واجتمعت بخدمة الملك العالم العادل فخر الدّولة بن الملك المرحوم السعيد شاه كيخسرو طاب اللّه ثراهما وجعل الجنّة مثواهما ، وخصّني بالكرامة والجلالة ، وجعلني من أقرب أصحابه وندمائه ، ثمّ من أخصّ خواصّه ، ثمّ من أعظم نوّابه وحجّابه ، وهم من أولاد كسرى وأنوشيروان إلى يزدجرد إلى پرويز ، وجدّهم القريب كان ملك أردشير بن الحسن بن تاج الدّولة الّذي كان ممدوحا لظهير الدّين الفاريابي وسراج الدّين القمري ، وأمثالهم من الشعراء الكبار ، ومضت برهة من الزمان على هذا ، ثمّ طلبني الملك العادل قهرمان الوقت ملك الملوك الرّومان فخر الدّولة شاه غازي خلّد اللّه دولته الّذي هو الآن موجود ، وكنت في خدمته على الوجه المذكور ، وفي خدمة إخوته الملك الأعظم جلال الدّولة إسكندر طاب ثراه ، والملك المعظّم وشرف الدّولة . . . ومضت على هذا أيضا مدّة ، وحصل لي من الجاه والمال فوق التصوّر ببركة صحبتهم ، وكنت كذلك في أرغد عيش وأطيب حال بين الأهالي والأوطان والأصحاب والأحوال ، حتّى غلب في باطني دواعي الحقّ وكشف لي فساد ما أنا فيه من الغفلة والجهل والنسيان ، وظهر لي ضلالي عن طريق الحقّ والاستقامة على سبيل الزّيغ والطغيان ، فناجيت ربّي في السرّ ، وطلبت منه الخلاص عن الكلّ ، وحصل لي شوقا تامّا إلى الترك والتجريد ، والتوجّه إلى حضرة الحقّ بقدم التوحيد ، وما كنت أتمكّن من هذا في صحبة هؤلاء الملوك ، ولا في الوطن الأصلي المألوف ، ولا في صحبة الأخوان والأصحاب ، فرأيت المصلحة تركهم بالكلّيّة والخروج من عندهم إلى موضع تيسّر ذلك على أحسن الوجوه . فتركتهم على هذا الحال وتركت الأهل والمال والملك والجاه والوالد والوالدة