السيد حيدر الآملي

430

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

أما الأول فلأنه قال : ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ سورة الذّاريات : 56 ] . فالجن والإنس إن لم يبعث إليهم الكتب والرسل ليعلمونهم التكليف والعبادة فكيف يعبدونه ؟ فوجب عليه اللطف حينئذ بالضرورة . وأما الثاني فلأنه لو لم يفعل ذلك لا يحصل غرضه الذي هو العبودية فيكون مخلّا بشيء يوجب نقض غرضه وهذا محال عن الحكيم ، لأن الحكيم هو الذي لا يفعل القبيح ، ولا يخلّ بالواجب ، فإذا أخلّ بالواجب لا يكون حكيما لأنه قبيح عقلا . ووجه آخر وهو أنه لو فرض زمان لا يكون فيه من هذه الألطاف شيء ، يلزم منه الفساد المذكور ، فيجب أن لا يكون زمان إلا ويكون فيه إمّا نبيّ معصوم أو إمام معصوم ، فبعد الرسول ( ص ) لا يجوز أن يكون الزمان خاليا من إمام معصوم بعد أن ثبت أن النبوة ختمت بنبيّنا ولا يجوز وجود نبيّ بعده ، وأبو بكر وعباس لم يكونا معصومين بمدّعى الخصم وغيرهما بطريق الأولى مع أن عنده ليس أحد بمعصوم ، فيجب أن يكون المعصوم في ذلك الزمان عليّا لا غير ، وكذلك الإمام ، أعني لا يجوز أن يكون الإمام إلا هو ، وهذا كله دلائل عقلية على عصمته وعلى أنّه هو ( أولى الأمر ) المشار إليه في الآية ( سورة النساء 59 ) ، هذا على تقدير أن يكون المشار إليه بأولي الأمر يكون معصوما . وأما إن كان غير معصوم فلا يجوز متابعته أصلا ولا يأمر الحق تعالى به أيضا لأن الأمر بمتابعة غير المعصوم الذي يمكن وقوع الفسق منه لا يجوز من الحكيم الكامل ، لأن الأمر بمتابعة الفاسق فسق ، وقد تحقق هذا المعنى في عدم متابعة غير الصادق وغير المعصوم ، بعد أنه مقرر في العلوم العقلية والبراهين القطعية ، أن تقدّم المفضول على الفاضل قبيح ومعلوم أن المعصوم أفضل من غير المعصوم ، فيكون تقدمه أولى ، فيلزم من هذا أن في زمان النبي وبعده لا يستحقّ اسم الإمارة ولا اسم ( اولي الأمر ) إلّا الذي يكون معصوما من الخطأ والخلل ، وعليّ كان كذلك فيكون هو أولي الأمر ، وبعده ولديه الحسن والحسين ، لأنهما كانا معصومين أيضا كما ستعرف ، ولقول النبي ( ع ) :