السيد حيدر الآملي
415
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [ سورة العنكبوت : 25 ] . فإنّهما أيضا غير متناقضان ، لأنّ المراد بالتّكلّم الأوّل النّطق باللّسان والقول به ، كشفاعة الأنبياء والأولياء في حقّ أمّتهم وتابعيهم من المسلمين والمؤمنين ، لقوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ سورة البقرة : 255 ] . لأنّ القول الموصوف بالصّواب في الأغلب لا يكون إلّا في الشفاعة سيّما في الآخرة ، والمراد بالتكلّم الثاني النّطق بالقوّة من حيث الاعتقاد والآراء لا النّطق بالفعل ولهذا قال فيهم : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ سورة آل عمران : 77 ] . ومعلوم أنّ كلام اللّه معهم ليس بالنّطق الظّاهر ولا بالقول اللساني بل بمعنى عدم الالتفات إليهم وقلّة التعرّض بهم لحقارتهم وخسارتهم كما جرت العادة بأنّ كلّ من لم ينظر إلى المخاطب ولا يلتفت إليه يقال : ما تكلّم معه ولا جعله مستحقا للكلام ، فأحوال الضّالّين والمضلّين تكون كذلك ، أعني ما يحتاجون إلى التكلّم باللّسان ، لأنّ اعتقاد كلّ واحد منهم إذا انكشف له حقيقته وباطنه فكأنّه كفر بغيره ولعن لمن هو على غير طريقه لحسن اعتقاده وقبح اعتقاد غيره وإن لم يكن في الواقع كذلك لقوله تعالى : كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * [ سورة الروم : 32 ] . ولقوله : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ [ سورة البقرة : 166 - 167 ] . والذي قال : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ [ سورة الرّحمن : 41 ] . وقال : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ سورة