السيد حيدر الآملي

412

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

صحيح ، ويجوز عند العرب الرّجوع والالتفات من الغيبة إلى الحضور ومن الجمع إلى المفرد ، وقد ورد في القرآن أمثال ذلك كثيرة منها قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [ سورة الأعراف : 11 ] . لأنّ هذا رجوع من الجمع إلى الواحد ومن الأولاد إلى الأب ومن الأشخاص إلى النّوع ، وفي الحقيقة ليس المراد إلّا الأولاد المسمّى بالأشخاص الّتي تحت الأنواع . فافهم جدّا فإنّه ينفعك كثيرا ، وسيجيء هذا البحث مستوفى في موضعه . وبناء على هذه القواعد فقوله : قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها [ سورة يونس : 108 ] . يكون صحيحا ، ويكون تقديره ، أنّه يقول : من اهتدى أوّلا إلى هدايته الأزليّة ومعرفته الجبليّة ، ثمّ إلى هدايته التّكليفيّة وقام بالأمر على ما ينبغي ، فإنّما يهتدي لنفسه وترجع ثمرة تلك الهداية إليه لا إلى غيره ، ومن لم يهتدي إلى هذه الهدايات ويضلّ عن هذه الحكايات ولم يفهم معناها ولم يقبل فحواها ، فإنما يضلّ على نفسه ويرجع وبالها ووزرها إليه لا إلى غيره وليس الحقّ تعالى بوكيل له ولغيره بأن يحفظه من الخطأ والنسيان والفجور والعصيان ، لأنّ هذا يؤدّي إلى ارتفاع التّكليف ونقض الغرض من الحكيم وإسقاط الثّواب والعقاب وغير ذلك من المفاسد ، وهذا لا يجوز ، فلم يبق إلّا أن يكون الكلّ راجعا إليهم ، أعني من الجدّ والتقصير كما قال : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [ سورة النساء : 79 ] . نعم يجب عليه تعالى هدايتهم أوّلا في المعاش كما قلنا ، وقد هداهم إليه بإعطائهم العقل والفهم والإدراك وكلّ ما يتعلّق بالتكليف ، وقبوله ، ثمّ هدايتهم إلى التّوحيد ، فهداهم بقوله : ألست بربكم ، ثمّ إلى الدّين والإسلام ، فهداهم بالنبيّ والكتاب ، ثمّ إلى الطريق المستقيم ، فهداهم بالدّعوة والإرشاد ، وقد فعل ذلك كلّه