السيد حيدر الآملي
413
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
ولم يبق من طرفه شيء ، وإلّا لكان مخلّا بالواجب ، وإليه أشار بقوله أيضا تأكيدا : ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته بإنزال الكتب وإرسال الرّسل وإقامة البراهين العقليّة والدّلائل النقليّة ، ما زكّى منكم واحد أبدا من الضّلالة والجهالة والكفر والطّغيان ، وتقديره وهو أنّه يقول : لولا عنايتي بكم في الأبد بإنزال الكتب وإرسال الرّسل ، والأمر بالتكليف ، مع عنايتي بكم في الأزل بالهداية والإرشاد ، ما زكّى منكم أحدا أبدا بذلك ، لأنّ كل ما يكون من وجود بالقوّة ، وهو يحتاج إلى إبرازه بالفعل ، والإنسان ليس بعامل بذلك من نفسه إلّا النوادر ، فلم يبق إلّا أن يكون المبرز لذلك أمر خارج ، وذلك الأمر هو الكتب والرّسل والتكليف والدّعوة والإرشاد ، وإنّ الكلّ من اللّه ، فيصّح قوله : لولا عنايتي بنور العناية الأزليّة بكم في الأبد ما زكّى منكم من واحد أبدا ، ويعلم من هذا وجوب بعثة الرّسل والكتب والدّعوة والإرشاد وأمثال ذلك ، ومن هنا قال : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سورة آل عمران : 164 ] . وإذا عرفت هذا وتحقّق أنّه ليس تناقض في القولين المذكورين ، فقس أكثر الأقوال القريبة عليهما واللّه أعلم وأحكم . ( في بيان التطبيق بين الكريمتين النسيان ومعنى النسيان فيهما ) ومنها قوله : فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا [ سورة الأعراف : 51 ] . وقوله : وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [ سورة مريم : 64 ] . فإنّ فيهما تناقض بحسب الظّاهر ، وفي الحقيقة ليس فيهما تناقض ، لأنّ مراده بالنّسيان الأوّل هاهنا التّرك ، وتقديره أي نتركهم في الآخرة وأعمالهم الرديّة ، كما تركونا في الدّنيا وأوامرنا ونواهينا ، فمن هذا المعنى بعينه قال : لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ