السيد حيدر الآملي
404
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وإن قلت : عدم قابليتهم وقلّة استعدادهم يرجع إلى علم الحق بهم ، وعدم إعطائهم القابليّة في الأزل . قلنا : قد مرّ مرارا أنّ العلم ليس له تأثير في المعلوم باتّفاق العقلاء ، وأنّ القابليّة في القوابل ليس من الفاعل ، وإلّا لبقي الاعتراض والحجّة من كلّ واحد واحد من القوابل على الفاعل ! بأنّك لم ما جعلتني كذا كذا وجعلتني كذا ، وقد سبق هذا البحث أيضا في صورة الحروف والكاتب وغير ذلك . واللّه لو لم يكن في القرآن إلا قوله : كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [ سورة الإسراء : 84 ] . لكفى برهانا في صدق هذه الدّعوى وتطبيق هذا المعنى . وبالجملة ليس في هذه الآيات تناقض ولا تخالف ، وقول اللّه تعالى : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ سورة النساء : 82 ] . يحكم لصدق هذا ، لأنّ الاختلاف لو فرضنا في زمان آدم ( ع ) وآخر غير زمان آدم وهو عين الاتّفاق في نفس الأمر ، لأن الاختلاف في زمان والاتّفاق في زمان آخر هو عين الاتّفاق في الكلّ ، لأنّ الكلّ لا يكون كلّا إلّا كذلك وإدراكه يحتاج إلى كشف سرّ القدر ، وذلك دقيق رزقك اللّه الفهم فيه فإنّه قادر على ذلك وما ذلك على اللّه بعزيز ، هذا معنى قوله : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ [ سورة البقرة : 213 ] . وأمّا معنى قوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً * إلى آخره [ سورة المائدة : 48 ] . وقد سبق معناه مرارا ، والكلام غير مستحسن من العقلاء ، لكن الضّرورات تبيح المحظورات ، والمراد به أنّه ولو شاء ربّك أن يجعل النّاس أمّة واحدة على سبيل الجبر والقهر لأمكن ، ولكن ما شاء هذا إلّا على سبيل الاختيار والإرادة لئلّا يناف التّكليف ويخالف الغرض من الحكيم الكامل . لقوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ سورة الذاريات : 56 ] .