السيد حيدر الآملي
405
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
أي ليعرفوني « 105 » ويعبدوني بإرادتهم واختيارهم وسعيهم واجتهادهم ، ليحصل لهم الثّواب والجنّة بفعلهم ، والعقاب والجحيم بتركهم ، لأنّهم لو كانوا مجبورين على الأفعال ، ما استحقّوا شيئا من هذا ، وكان التّكليف عاطلا ، وإرسال الرسل باطلا ، والجحيم والجنّة عبثا ، والخير والشّر لعبا ، وليس هذا من حكمتنا ، ولا ما يقتضي ذلك علمنا وعدلنا ، ولهذا قلنا : قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [ سورة الأنعام : 104 ] . هذا وجه . ( في بيان أنّ الاختلاف واقع في المظاهر وهو عين الاتفاق في الحقائق ) وبوجه آخر يمكن أن يريد بالأمّة الواحدة ، أمّة آدم لا غير ، كما أنّ أمّة موسى ( ع ) تسمّى أمّة واحدة ، وكذلك أمّة عيسى ( ع ) ، وكذلك أمّة محمد ( ص ) ، كما قال تعالى فيهم : إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [ سورة الأنبياء : 92 ] . وقال في إبراهيم ( ع ) : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ سورة النحل : 120 ] .
--> ( 105 ) قوله : أي ليعرفوني الخ . روى الصدوق ( رض ) في العلل ص 9 ، باب 9 ، الحديث 1 بإسناده عن سلمة بن عطاء عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال : خرج الحسين بن علي ( ع ) على أصحابه فقال : أيها النّاس ، إنّ اللّه جلّ ذكره ما خلق العباد إلّا ليعرفوه ، فإذا عرفوه عبدوه ، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه الحديث . قال البغوي في معالم التنزيل ج 5 ، ص 230 : وقال مجاهد : إلا ليعرفوني وهذا حسن ، لأنّه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده ، دليله قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ سورة الزخرف ، الآية : 87 ] . ذكره أيضا الميبدي في كشف الأسرار تفسير خواجة عبد اللّه الأنصاري ج 9 ، ص 324 وأيضا ذكره القرطبي في تفسيره عن مجاهد وتحسينه عن الثعلبي ، ج 17 ، ص 56 .