السيد حيدر الآملي

403

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

موضعه ظلم بالاتفاق ، وقوله : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ سورة السجدة : 13 ] . يؤكّد هذا المعنى لأنّه يقول : ولو شئنا على سبيل الجبر والقهر من كمال القدرة والقوّة لآتينا كلّ نفس هديها ، لكن سبق في علمنا ، أنّ هذا محال ، لأن هذا يخالف علمنا بهم ويخالف غرضنا من تكليفهم مع أنّه مستحيل ، فحقّ القول منّا ، أي سبق العلم الأزلي القديم منّا بإملاء جهنّم منهم ، بالأفعال الصّادرة منهم اختيارا لا إجبارا ، فخلاف ذلك محال . وأيضا قد سبق علمنا بعدم قابليّتهم واستعدادهم لهدايتهم وإرشادهم ، فكيف يمكن هدايتهم وإرشادهم ، وكيف يمكن التّصرّف في القابل بدون قابليّته ، فمن هذا لا يمكن هداية الكلّ كما لا يمكن إضلال الكلّ ، وبالنّسبة إلى عدم قابليّة البعض للهداية قال : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا [ سورة الأعراف : 146 ] . وبالنّسبة إلى البعض الآخر الّذي يكون بعكسهم أعني يكون قابلا للهداية من غير دفع ولا منع قال : فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [ سورة الأنعام : 81 - 82 ] . لأن هناك طائفة لم يلبسوا إيمانهم بظلم أي شرك وكفر ولا يمكن منهم هذا ، كما لا يمكن من الطّائفة الأولى بعكس ذلك ، وقوله جلّ ذكره : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [ سورة الإسراء : 84 ] . وقول النبيّ ( ع ) : « كلّ ميسر لما خلق له » [ مرّت الإشارة إليه في التعليقة 89 ] . يقومان بجواب الكلّ .