السيد حيدر الآملي

392

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى [ سورة طه : 120 ] . كأنّه إشارة إلى شجرة الوجود المطلق الّذي هو العالم تفصيلا والإنسان إجمالا كما سبق تقريره ، وإلى أغصانها وأوراقها وأزهارها الّتي هي الموجودات المقيّدة الخارجيّة ، لأنّ كلّ من يشاهد هذه الشّجرة على ما هي عليه من الكمالات والأسماء والصّفات يكون في ملك لا يبلى ولا يزول أزلا وأبدا وسنبيّنه أبسط من ذلك إن شاء اللّه عند بيان قوله : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ ، إلى قوله : يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [ سورة النور : 35 ] . لأنّها أيضا كناية عن هذه الشجرة وأغصانها وأوراقها وقد ورد في اصطلاح المحقّقين هذا المعنى بعينه بحيث نسبوا الوجود العلمي إلى الأعيان الثابتة والوجود الخارجي إلى الأكوان الخارجيّة ، ونسبوا الأوّل إلى التّجليّ الأوّل الذّاتي والثّاني إلى التجلّي الثاني الصّفاتي ، كقولهم : ( في بيان التجلّي الأول الذاتي والتجلّي الثاني الصفاتي ) التّجلّي الأوّل هو التّجلّي الذّاتي أي تجلّي الذّات وحدها لذاتها وهي الحضرة الأحديّة الّتي لا نعت فيها ولا رسم إذ الذّات الّتي هي الوجود الحقّ المحض وحدته عينه لأنّ ما سوى الوجود من حيث هو وجود ليس إلّا العدم المطلق وهو اللّاشيء المحض فلا يحتاج في أحديّته إلى وحدة وتعيّن يمتاز به عن غيره ولا عن شيء مطلقا فوحدته عين ذاته ، وهذه الوحدة منشأ الأحديّة والواحديّة لأنّها عين الذّات من حيث هي هي أعني لا بشرط شيء معه أي المطلق الّذي يشمل كونه أن لا شيء معه وهو الأحديّة ، وكونه بشرط أن يكون معه شيء وهو الواحديّة ، والحقائق في الذّات الأحديّة كالشجرة في النواة وهي غيب الغيوب ، والتّجلّي الذّاتي هو الّذي تظهر به أعيان الممكنات الثّابتة الّتي هو شؤون الذّات لذاته تعالى وهو التعيّن الأوّل بصفة العالميّة والقابليّة لأنّ الأعيان معلوماته الأول الذّاتيّة القابلة للتجلّي الشّهودي ، وللحقّ بهذا التجلّي تنزّل من الحضرة الأحديّة إلى الحضرة الواحديّة بالنّسب الأسمائيّة .