السيد حيدر الآملي

381

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

الكلّ من عندي ، جلّ جنابه أن يتّصف بمثل هذا ولهذا قال عقبيه : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً . ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [ النساء : 78 ، 79 ] . ليعرفوا الفرق بين أفعال الحقّ وبين أفعال الخلق ، ومعنى الآية لو كان على الوجه الّذي فسّره ، الأشاعرة لم يقل عقيبه هذا الكلام ولم يقل فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا . لأنّ هذا كلام على سبيل الاستهزاء والسخريّة والتعجّب والإنكار ، والمراد منه أنّ كلّ من لم يفرق بين أفعال اللّه تعالى وأفعال عبيده ، ما له تفقّه ولا تعقّل أصلا ولا يدخل هو في حكم العقلاء ، وجلّ من قائل قال في مثل هذا المقام من لسانهم : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ [ سورة الملك : 10 ] . لأنّ هذا إقرار منهم بعدم التّعقّل والتّفقّه بعد كشف حالهم عليهم في القيامة ، وندامتهم على أفعالهم وعدم قبول القول من اللّه ومن رسوله وهذا القدر يكفي لتنبّه العاقل الّذي يعدّ نفسه من العقلاء ، وها هنا أبحاث كثيرة والكلّ يرجع إلى شيء واحد وهو أنّ الكفر والفسق والظّلم وأمثال ذلك ليس بإرادة اللّه وأمره بل بعلمه ومشيّته ، والعلم والمشيّة لا تأثير لهما فيه أصلا وقد ورد عن أمير المؤمنين علي ( ع ) في الفرق بين المشيّة والعلم والأمر والإرادة والمحبّة والهنّا وغير ذلك من المتقابلات والمتناقضات كلام حسن وإن كان كلّ كلامه حسنا وهو في غاية اللّطف بالنّسبة إلى هذا المكان ، نذكره بعبارته ثمّ نرجع إلى غيره وهو قوله : اعلم أنّ اللّه تعالى خلق للخلق ثلاثا فرائض ومعاصي وفضائل ، أمّا الفرائض فهي بقضائه وبعلمه وبأمره وبمشيّته وبمحبّته وإرادته وباختياره ، وأمّا المعاصي فهي بقضائه لا برضاه وبعلمه لا بأمره وبمشيّته لا بمحبّته وبتقديره لا باختياره ، ولا يسئل عمّا يفعل وهم يسئلون ، وأمّا الفضائل فليست بأمره بل بإرادته وقضائه ورضاه وبعلمه ومشيّته وبمحبّته وباختياره . وهذا كلام يكشف جميع المشكلات الواردة في هذا الباب ويحل جميع المعضلات النّاشئة من هذا الخطاب ، صلّى اللّه على نفسه القدسيّة وذاته الكاملة ، وقد أشار إلى هذا المعنى أيضا ولده المعصوم جعفر بن محمد الصّادق ( ع ) في