السيد حيدر الآملي
382
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
قوله : شاء اللّه وأراد ولم يحبّ ولم يرض ، شاء اللّه عز وجلّ ألّا يكون شيء إلّا بعلمه وأراد مثل ذلك ولم يحبّ أن يقال له ثالث ثلاثة ، ولم يرض لعباده الكفر « 97 » . وهذا أيضا كلام حسن دقيق ولا يصدر مثل هذا إلّا منهم ، لأنّهم معدن العلوم ومنبعها ، ومصدر المعارف ومنشأها ، والحقّ أنّ الفرق بين المشيّة والإرادة والعلم والأمر والمحبّة والرّضا والجبر والقدر في غاية الصّعوبة ، وكأنّ هذا البحث ممنوع بالنّسبة إلى بعض الأذهان الجامدة البعيدة عن الفهم ، لأنّ هذا البحث من أدّق أبحاث القدر وأجلّها وأعظم أسرار الحقّ وأشرفها ، وإفشاء سرّ الرّبوبيّة كفر وإظهار سرّ القدر محظور منهيّ عنه ، ومن هذا قال النبيّ ( ص ) : « إفشاء سرّ الرّبوبيّة كفر وهتك أستار الألوهيّة شرك » . ومن هذا قال أمير المؤمنين ( ع ) في جواب سائل سأله عن القدر : القدر بحر عميق فلا تلجه ، القدر طريق مظلم فلا تسلكه ، القدر سرّ من سرّ اللّه عزّ وجلّ فلا تتكلّفه « 98 » .
--> ( 97 ) قوله : وقد أشار إلى هذا المعنى أيضا الحديث . رواه الكليني ( رض ) في الأصول ج 1 ص 151 ، باب المشيئة والإرادة الحديث 5 . بإسناده عن فضيل بن يسار عن الصادق ( ع ) ، ورواه أيضا الصدوق ( رض ) في التوحيد باب 55 باب المشيئة والإرادة الحديث 9 ، ص 339 ، والحديث 12 ، ص 343 . ( 98 ) قوله : ومن هذا قال أمير المؤمنين ( ع ) في جواب سائل الخ نهج البلاغة ( ط : صبحي الصالح ) الحكمة 287 : وسئل عن القدر ، فقال : طريق مظلم فلا تسلكوه ، وبحر عميق فلا تلجوه ، وسرّ اللّه فلا تتكلّفوه . روى الصدوق ( رض ) في التوحيد ص 383 ، الحديث 32 بإسناده عن الأصبغ بن نباتة ، قال : قال أمير المؤمنين ( ع ) في القدر : ألا إنّ القدر سر من سرّ اللّه ، وستر من ستر اللّه ، وحرز من حرز اللّه ، مرفوع في حجاب اللّه ، مطويّ عن خلق اللّه ، مختوم بخاتم اللّه ، سابق في علم اللّه ، وضع اللّه العباد عن علمه ، ورفعه فوق شهاداتهم ومبلغ عقولهم لأنّهم لا ينالونه بحقيقة الربانيّة ولا بقدرة الصمدانيّة ولا بعظمة النورانيّة ولا بعزّة الوحدانيّة ، لأنّه بحر زاخر خالص للّه تعالى ، عمقه ما بين السماء والأرض ، عرضه ما بين المشرق والمغرب ، أسود كالليل الدامس ، كثير الحيّات والحيتان ، يعلو مرّة ويسفل أخرى ، في قعره شمس تضيء ، لا ينبغي أن يطلع إليها إلّا اللّه الواحد