السيد حيدر الآملي
290
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
العبودية بالعبادة لي دون غيري لقولي فيه : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ [ سورة يس : 60 - 61 ] . فيجب عليكم الوفاء به والقيام بما جرى فيه ، وهذا الكلام وإن كان حقا لكن بعيد عن المقصود الحقيقي والمراد الذي نحن فيه . والغرض من ذكر غيره تعيين الاختلاف وتحقيق الاستعداد وإذا تحقّق هذا ، فنرجع ونقول : اعلم ، أنّه قد تقرّر لك المراد بهذا الكتاب ، الكتاب الآفاقي ، وأنّ قراءته موقوفة على التقوى للسالك الذي يكون على قدم المحبيّة دون المحبوبيّة ، فحينئذ عليك بالتقوى ليحصل لك مطالعة هذا الكتاب على ما هو عليه ويحصل بسببه مشاهدة الحق تعالى ، في ضمن آياته وكلماته وحروفه المسمّاة بالموجودات والمخلوقات كما مرّ تقريره مرارا ، ونقول مرّة أخرى وهو أنّ اللّه تعالى يقول : ( في معنى القرآن والفرقان ) إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [ سورة الأنفال : 29 ] . والفرقان هو القرآن عند البعض والقرآن مقام الجمعيّة الإلهيّة المشار إلى التوحيد الجمعي المحمّدي . وعند البعض الفرقان علم فارق بين الكثرة والوحدة والإجمال والتفصيل والجمع والتفرقة وهو مقام التوحيد التفصيلي الأسمائي الهادي إلى مشاهدة الحق في مظاهر صفاته وكمالاته ، ومعناه أنّه يقول لعبيده : إن اتّقيتم واحترزتم في طريق معرفتي وتوحيدي ومقام شهودي وعياني عن مشاهدة الغير مطلقا ، فقد هديتكم إلى علم الفرقان بعد القرآن ومطالعة الكتاب الآفاقي بعد الكتاب القرآني ، ووهبتكم علما كاشفا بين الحقّ والباطل ونظرا جامعا بين الكثرة والوحدة ، وفهما فارقا بين الحقّ والخلق بمقتضى قوله : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [ سورة النساء : 113 ] . وحصل لكم الإخراج من ظلمات الشكوك والشّبهات ، والخلاص من ورطات الجهل والغفلات ، بمصداق قولي أيضا : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ سورة