السيد حيدر الآملي
289
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
والآثار الجبروتية ، وغير ذلك من الغيوب ، ويقيمون الصلاة الحقيقية التي هي التوجه الكلّي إلى جنابي ، والإقبال الحقيقي إلى كعبة ذاتي ، لقولي فيهم : الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ [ سورة المعارج : 23 ] . لأنهم دائما في توجّههم إلينا وتبتّلهم لدينا ، وممّا رزقناهم ينفقون ، أي مما رزقناهم من العلوم والحقائق والمعارف والدقائق ينفقون على المستعدين من عبادي والمستحقين من طلّابي ، ويؤمنون بما أنزل إليك من كتابي الذي هو القرآن ، وبما أنزل من قبلك الذي هو التوراة والإنجيل ، ويوقنون بالآخرة ، أي يوقنون بوقوعها ساعة فساعة من كمال صدقهم بأقوالي وقوة إيمانهم بأفعالي ، أولئك على هدى منّي وأولئك هم المفلحون من عبادي ، أي أولئك على هدى حقيقته منّي ، التي هي الهداية إلى مشاهدة ذاتي وصفاتي في مظاهر أسمائي ، وكمالاتي ، وأولئك هم المفلحون أي المحجوبون من بين عبادي من حجاب البعد والحرمان ، وظلمة الكفر والطغيان ، ببركة المشاهدة الحاصلة لهم ، بطريق الكشف والفيضان ، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ، واللّه ذو الفضل العظيم . وسيجيء بحث هذا الكتاب في المقدّمة الثانية مستوفى ، فإنّ فيه اختلاف كثير وهو عند البعض إشارة إلى القرآن ، وعند البعض إلى التوراة والإنجيل ، وعند البعض إلى اللّوح المحفوظ ، وعند البعض إلى الجفر والجامعة ، وعند البعض إلى الوجود المضاف الإمكاني المطابق إلى ما ذهبنا إليه . وكذلك ألم ، فإنّه عند البعض قسم ، وعند البعض اسم ، وعند البعض صفة ، وعند البعض عدد ، وعند البعض ، الألف إشارة إلى الذات الأحديّة ، واللّام إلى جبرئيل ( ع ) ، والميم إلى محمّد ( ص ) ، وعند البعض الألف إشارة إلى الذات الإلهية ، واللام إلى الولي المطلق ، والميم إلى النبيّ المطلق ، وهو الذي نحن ذهبنا إليه ، وذكرناه الآن مجملا وسنذكره مفصّلا . وعند الشيخ نجم الدين الرازي قدّس اللّه سرّه ، الألف إشارة إلى القيام في الصلاة ، واللام إلى الركوع ، والميم إلى السجود ، والكتاب إشارة إلى فاتحة الكتاب ، لأنّها أمّ الكتاب ، وقال : يجوز أن يكون إشارة إلى كتاب العهد الذي أخذ يوم الميثاق ، بإقرار العبد على التوحيد ليوم التلاق . وقال : يدل على هذا قرينة ألم لأن الألف واللّام حرفان مقدّمان من قوله : ألست والميم المؤخّر منه حرف الآخر من قوله : بربّكم ومعناه ، إنّي في عهد ألست بربّكم ، أخذت منكم ذلك الكتاب في الميثاق على التوحيد والربوبية وعلى