السيد حيدر الآملي

288

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

المحرّمات الشرعية ، وأعلاها الاتّقاء عن رؤية وجود الغير مطلقا . ( في بيان المراد من الكتاب في الآيات ) وإذا تقرر هذا كله ، اعلم أن مراده تعالى بالكتاب في قوله : ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ سورة البقرة : 3 ] . الكتاب الكبير الآفاقي الجامع للكتاب الإنساني الصغير كما مرّ تقريرهما ، ومراده بالهداية ، الهداية التي هي الهداية من الكثرة إلى الوحدة ومن المقيّد إلى المطلق ، ومراده بالتقوى ، التقوى الحقيقية التي هي الاتقاء عن رؤية وجود الغير مع وجود الحق ، لأن غير هذا الكتاب والكتاب الذي في ضمنه ليس له صلاحية هذا المعنى ، وهذا أيضا لاشتماله على الكتاب المذكور لأن كل واحد منهما له هذه الصلاحية لقوله : قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ سورة القصص : 49 ] . وعلى هذا التقدير يكون معناه ، أنه تعالى يقول : ألم ذلك الكتاب ، أي بحق ذاتي وذات وليّي وذات نبيّي ، لأن هذه الحروف الثلاث بإزاء هذه الذّوات الثلاث ، أن ذلك الكتاب المعهود في ذهنك من الأزل الذي هو الكتاب الكبير ليس فيه شك أنّه هدى للمتقين ، أي سبب هداية المتقين إلى مشاهدة ذاتي وصفاتي وأفعالي في مظاهري العلوية والسفلية وما بينهما ، فإن من لم يتق في طريق معرفتي ومشاهدتي عن رؤية الغير ، ليس بمؤمن حقيقي ولا بمسلم يقينيّ ولا دخل له في زمرة المتقين المذكورين أبدا ، ولهذا شرعت في أوصافهم بعد هذا وقلت : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ . أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ سورة البقرة : 3 - 5 ] . لئلّا يشتبه على أحد من العارفين حالهم ، ومعناه ، أي الذين يؤمنون بما غاب عنهم من القيامة والملائكة والجنة والنار والحشر والنشر ، والأسرار الملكوتية ،