السيد حيدر الآملي

287

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ سورة الفرقان : 23 ] . أي جعلناه هباء منثورا لعدم الإيمان الذي هو الأصل في هذا الباب ومعلوم أن الفرع بغير الأصل لا اعتبار له عند أهل الأصول ، فالهداية حينئذ لا تصح نسبتها إلى الآخرة ، لأن الآخرة دار جزاء لا دار عمل ، فيكون تقدير قوله تعالى بناء على هذا : إنه يقول : سيهديهم ربّهم ويصلح بالهم في الدنيا ويدخلهم الجنّة بسبب ذلك ، وهذا صحيح لأن السين فيه للاستعجال لا للاستقبال ويعضد ذلك أيضا قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا [ سورة النساء : 57 ] . وهذا مضى . وأما قول أهل الباطن ، فالهداية عندهم على ثلاثة أقسام : هداية العام ، وهداية الخاص ، وهداية الأخص ، أما هداية العام فبالإسلام والإيمان ، وأما هداية الخاص فبالإيقان والإحسان ، وأما هداية الأخص ، فبالكشف والمشاهدة من حيث العيان ، وقالوا : الهداية تكون على قدر التقوى ، والتقوى على ثلاثة أوجه ، فتكون الهداية كذلك ، أما تقوى العام فعن الشرك والكفران ، وأما تقوى الخاصّ فعن الذنوب والعصيان ، وأما تقوى الأخص فعن ملاحظة غير الرّحمن ، وهذا على طريق السلف . وأما على قاعدة المتأخرين والمختار عندنا : فالهداية الحقيقية هي الهداية من الكثرة إلى الوحدة ، ومن التفرقة إلى الجمعية ، ومن الشرك إلى التوحيد ، ومن الشك إلى اليقين ، ومن الرياء إلى الإخلاص ، ومن الوجودات المقيّدة إلى الوجود المطلق ، ومن مشاهدة الخلق إلى مشاهدة الحقّ ، ومن معرفة النّفس إلى معرفة الرّب ، ومن معرفة القرآن إلى معرفة الفرقان ، ومن البقاء إلى الفناء ، ومن الصفات إلى الذّات ، وهذه كلّها موقوفة على التقوى التي أدناها الاتّقاء عن