السيد حيدر الآملي

277

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

اليمين في صدد المقتصد من أهل الكمال والعرفان ، والسّابق المقرّب في صدد السابق بالخيرات الّذين هم الأنبياء والأولياء ( ع ) . وإلى هذا التّقسيم أشار أيضا أمير المؤمنين ( ع ) في قوله مخاطبا لكميل بن زياد النّخعي رضي اللّه عنه : النّاس ثلاثة فعالم ربّانيّ ، ومتعلّم على سبيل النّجاة ، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق يميلون مع كلّ ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق « 50 » . لأنّ العالم الربّاني في حكم المحبوب والسابق بالخيرات ، والمتعلّم على سبيل النّجاة في حكم المحبّ المعلوم والمقتصد ، والهمج في حكم العميان والظالم لنفسه . وتقسيم العلماء والمحققين من أرباب التّوحيد موافق لهذا التقسيم أيضا ، وهو أنّهم قسّموا الخلق ثلاثة أقسام : عامّ ، وخاصّ ، وخاصّ الخاصّ ، أمّا : أهل بداية ، وأهل وسط ، وأهل نهاية ، والكلّ صحيح ، لأنّ العوام منهم بمثابة الطائفة الأولى من أهل الحيل والضّلال ، وهذا يوافق مرتبة البداية ، والخواصّ بمثابة الطّائفة الثّانية من أهل الكمال والعرفان وهذا يوافق مرتبة الوسط ، وخاصّ الخاصّ بمرتبة الطّائفة الثّالثة من الأنبياء والأولياء ( ع ) وهذا يوافق مرتبة النّهاية ، وسنشير لك في المقدّمات أبسط من ذلك عند بحث الشّريعة والطّريقة والحقيقة . والغرض من ذلك كلّه أن مطالعة الكتاب الآفاقي والأنفسي والقرآني من حيث التأويل والتحقيق موقوفة على افتتاح عين البصيرة بكحل العناية الإلهية إن كان السالك من المحبوبين ، وإن كان من المحبين فعلى المجاهدة والرياضة والتقوى كما قررناه . وإذا تحقق هذا وتقرر ، فلنشرع في بيان التقوى ومراتبها ومدارجها المخصوص بالبحث الثالث وهو هذا ، واللّه أعلم وأحكم وهو يقول الحق وهو

--> ( 50 ) قوله ( ع ) : الناس ثلاثة فعالم رباني ، الحديث . الخصال باب الثلاثة ح 357 ص 186 ، نهج البلاغة ، قصار الحكم 147 . دستور معالم الحكم للإمام القاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة الشافعي المتوفي 454 ، ص 83 .