السيد حيدر الآملي

278

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

يهدي السبيل . البحث الثالث في بيان التقوى ومراتبها ومدارجها اعلم ، أن للتقوى مراتب ومدارج وفيها أقوال بحسب الظاهر والباطن . أما قول أهل الظاهر فالتقوى عندهم عبارة عن الاجتناب عن محارم اللّه تعالى والقيام بما أوجبه عليهم من التكاليف الشرعية ، والمتقي هو الذي يتّقي بصالح عمله عذاب اللّه ، وهو مأخوذ من اتّقاء المكروه بما يجعله حاجزا بينه وبينه ، كما يقال : اتّقى السّهم بالترس ، أي جعله حاجزا بينه وبين السّهم . وأما قول أهل الباطن فالتقوى عندهم عبارة عن الاجتناب المذكور مع ما أحلّ اللّه تعالى عليهم من طيّبات الدنيا ولذاتها على حسب طبقاتها ومراتبها إلا بقدر الضرورة فضلا عن الاجتناب عن محارمه ، والشاهد على ذلك ما أشار إليه سيّد العارفين وإمام المتّقين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) ، بالنسبة إلى نفسه الشريفة في بعض خطبه وهو قوله : ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى ، وأكباد حرّى ، أو أكون كما قال القائل : وحسبك داء أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر ؟ أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش ، فما خلقت ليشغلني أكل الطيّبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها ، إلى آخره « 51 » .

--> ( 51 ) قوله ( ع ) : ولو شئت لاهتديت الطريق ، الحديث . نهج البلاغة صبحي الصالح كتاب 45 .