السيد حيدر الآملي
257
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وعند التحقيق هذا هو التأويل المخصوص بأهل اللّه والراسخين منهم ، وهذا هو التأويل الواجب على الأنبياء والأولياء ( ع ) وعلى تابعيهم من العلماء الراسخين في العلوم الإلهيّة والمعارف الربانية لقوله جلّ ذكره : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [ سورة آل عمران : 7 ] . وهذا يحتاج إلى أبحاث أخر تكون متعلقة بالأبحاث المذكورة من بحث الكتاب الكبير والكتاب الصغير والتطابق بينهما ، وهذه الأبحاث مرجوعة إلى المقدمة الثانية موكولة إليها لكن هاهنا ضروري من بحث القراءة بالنسبة إلى هذه الكتب الثّلاث وكيفية قراءتها وبأيّ وجه يمكن تحصيلها بالعلم الظاهر أو بالعلم الباطن أو بالكشف الحاصل من اللّه خاصة أو بالكل دون البعض أو بوجه غير هذه الوجوه ، ومعلوم أن هذه الأبحاث تريد بسطا عظيما وبيانا كاملا ، فرأينا المصلحة أن نشرع فيها بطرق مختلفة ونبيّنها في أبحاث متنوعة وهي على سبيل الإجمال ثلاثة : البحث الأول في معرفة أسباب القراءة بالنسبة إلى هذه الكتب اعلم أن قراءة هذه الكتب على الوجه المذكور خصوصا قراءة الكتاب الكبير الآفاقي ليست بالعلم الظاهر ولا بالعلم الباطن أيضا إذا لم يكن على أصل صحيح حقيقي وأساس كلي إلهي ، بل قراءة تتعلق بعناية اللّه تعالى خاصة بأن يفيض على بعض عبيده أنوار تجلياته العينية وتنفتح عين بصيرتهم بكحل العناية الأزلية بحيث يحصل لهم استعداد قراءة هذا الكتاب دفعة أو تدريجا وينكشف لهم معناه وفحواه إجمالا وتفصيلا ، وهذا الفيض قد يكون بواسطة ، وقد يكون بغير واسطة ، أما الثاني وكما كان بالنسبة إلى الأنبياء والأولياء ( ع ) فإنه تعالى كان يفيض على قلوبهم من غير واسطة سابقة ولا علّة متقدمة ، بل بمحض العناية وحسن الشفقة ما أراد من العلوم والحقائق دفعة كان أو تدريجا كما أفاض على نبيّنا ( ص ) ، وقال : وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ