السيد حيدر الآملي

107

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [ النور / 35 ] . فهذا لو لم يكن كذلك لم يكن نخبره عنه بهذا الوجه ، فعرفنا أنّ المراد مثل هذا في جميع المواضع تقريب إلى المعاني المقصودة بالذات وإليه الإشارة بقوله أيضا : وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [ الزمر / 27 ] . وسرّ هذه الأمثال المضروبة في صورة هذه الأشباح الحسّيّة وقد تقدّم ( في الكتاب ) مبسوطا وسيجيء ( في الكتاب ) أبسط . إلى أن قال : والغرض منه أن تعرف ان في أكثر المواضع من هذا الكتاب ذكر المعاني المعقولة والمعارف الكشفيّة في صورة أشكال ودوائر هذا هو لا غير أي إيصال المعاني إلى الذهن بواسطة التشكيل الحسّيّ الصوريّ ، وأيضا قد ضربنا من أنفسنا وشاهدنا في عقولنا ، أمّا إذا رأينا صورة مسألة عقلية في أشكال حسّيّة تميل قلوبنا إليها بعد أن كانت متنفّرة عنها في غير تلك الصورة لأنّ كثيرا من المسائل قد رأيناه يشكل علينا في صورة المعقول ويسهل علينا في صورة المحسوس ، وهذا أمر وجداني يجده كلّ عاقل من نفسه وأقل ذلك مشاهدة وحدة الوجود وكثرته في صورة البحر وأمواجه ، فإنّ هذا من أشكل المسائل وأصعبها ، ثمّ مشاهدته في صورة الواحد وكثرته العدديّة ، وأمثال ذلك . ويعرف صدق هذا أيضا من الرؤيا في النوم ، فانّ الرؤيا في الحقيقة ليست إلّا مشاهدة عالم المعقول في صورة المحسوس لقوّة تصرّف الحسّ الباطن في تلك الحالة ، سيّما القوّة الخياليّة المقيّدة المحاذية للقوّة الخياليّة المطلقة المعبّر عنها بعالم المثال المشتمل على العرش والكرسي والسماوات والأرضين وما بينهما من الموجودات . وبالجملة بين النفس والحواس تعلّق العشق بسبب أنّها آلة لها بها تدرك المحسوسات وبها تحفظ المعقولات ، فكلّما كانت المعاني في صورة الحواس أحسن والطف فأخذها منها يكون أسهل وأيسر . إلى أن قال : وأمّا الدائرة ، فالدائرة الأولى من الدائرتين وهي مشتملة على ثماني عشرة دائرة