علم الدين السخاوي

794

جمال القرّاء وكمال الإقراء

وقيل : نسخت بقوله عزّ وجلّ قبلها تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ « 1 » . وهذا القول إنما يقوله من قاله ظنا ، ألا ترى اختلاف القولين في الناسخ ما هو « 2 » ؟ وإنما حملهم على ذلك ما ظنّوه من التعارض ، ولا تعارض ، لأن قوله عزّ وجلّ : إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ، لا يعارض قوله سبحانه لا تحل « 3 » لك النساء من بعد ولا قوله عزّ وجلّ تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ « 4 » لأن قوله عزّ وجلّ إِنَّا

--> أما نسخ لا يَحِلُّ لَكَ . . ب يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ . . . فقد عزاه ابن الجوزي إلى ابن عباس وعلي بن أبي طالب وعائشة وأم سلمة وعلي بن الحسين والضحاك . انظر نواسخ القرآن ص 431 . ومال إليه الزرقاني وانتصر له . انظر مناهل العرفان 2 / 267 . ( 1 ) الأحزاب ( 51 ) . ( 2 ) حكى النحاس ثمانية أقوال في الآية الكريمة لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ . . . وسأقتصر على ذكر واحد منها فقط ومضمونه أنها منسوخة بآية أخرى وهي قوله تعالى تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ . . . وكان اللّه قد حظر عليه التزويج بعد من كان عنده ، ثم أطلقه له وأباحه بقوله عزّ وجلّ تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ . . . . قال : وهذا القول عن جماعة من أجلة الصحابة والتابعين ، وساق بسنده إلى أم سلمة قالت : لم يمت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أحل له أن يتزوج من النساء ما شاء ، إلا ذات محرم ، وذلك قوله تعالى تُرْجِي مَنْ تَشاءُ . . ، وهذا - واللّه أعلم - أولى ما قيل في الآية ، وهو وقول عائشة - رضي اللّه عنها - واحد في النسخ ، وقد يجوز أن تكون أرادت : أحل له ذلك بالقرآن وهو مع هذا قول علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - وابن عباس وعلي بن الحسين والضحاك ، قال : وقد عارض بعض الفقهاء الكوفيين ، فقال : محال أن تنسخ هذه الآية ، يعني تُرْجِي مَنْ تَشاءُ . . لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وهي قبلها في المصحف الذي أجمع المسلمون عليه ، وقوى قول من قال : نسخت بالسنة ، لأنه مذهب الكوفيين . قال النحاس : وهذه المعارضة لا تلزم ، وقائلها غالط ، لأن القرآن نزل جملة واحدة إلى سماء الدنيا في شهر رمضان المبارك ، ويبين لك أن اعتراض هذا لا يلزم قوله وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ الآية 240 من سورة البقرة - منسوخة على قول أهل التأويل - لا نعلم بينهم خلافا - بالآية التي قبلها وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً الآية 234 من السورة نفسها - اه الناسخ والمنسوخ ص 246 ، وراجع الإيضاح ص 385 ، وتفسير القرطبي 14 / 219 ، وابن كثير 3 / 501 ، 502 . ( 3 ) في د وظ : ( لا يحل ) بالياء ، وفي ظق : خالية من النقط . وقد سبق ذكر القراءات فيها . ( 4 ) ولا قوله عزّ وجلّ تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ : تكررت في د وظ .