علم الدين السخاوي
726
جمال القرّاء وكمال الإقراء
فإن قيل : فكيف كفّن ابن أبيّ « 1 » « 2 » في قميصه وهو رأس المنافقين ؟ قلت : أرسل إليه عند موته يطلب قميصه « 3 » ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني أؤمل أن يدخل في الإسلام خلق كثير ، وأن قميصي لن يغني عنه من اللّه شيئا » « 4 » ، فأسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب الاستشفاء بقميص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 5 » . فإن قيل : ألم يقم على قبره ويصل عليه ؟ قلت : قد روى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يصل عليه « 6 »
--> « وهذا خلاف ما ثبت في حديث ابن عمر : ( وسأزيد على السبعين ) ، وفي حديث ابن عباس : ( ولو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر لهم لزدت عليها قال : فصلى عليه - أي على ابن أبي - رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أخرجه البخاري . اه الجامع لأحكام القرآن 8 / 319 . وسيأتي مزيد بيان لهذا قريبا - إن شاء اللّه وإن هذا هو الصواب الذي عليه أهل العلم . وفي نظري : أن الإمام السخاوي لم يحالفه الصواب في رده لهذه الرواية التي ثبتت ، وقال بها الأئمة وفسروها بتفسيرات تتفق ومقام النبوة ، كما سيأتي بإذن اللّه تعالى . ( 1 ) ( ابن أبيّ ) : ساقط من د وظ . ( 2 ) هو عبد اللّه بن أبي مالك المشهور ب « ابن سلول » ، وسلول جده لأمه من خزاعة ، رأس المنافقين في الإسلام ، من أهل المدينة ، كان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم ، مواقفه السيئة ضد الإسلام والمسلمين : مشهورة ، وأخباره معروفة ، توفي في السنة التاسعة من الهجرة . انظر : جمهرة الأنساب ص 354 ، والبداية والنهاية 5 / 31 ، والأعلام 4 / 65 . ( 3 ) أي أرسل إليه ابنه عبد اللّه الصحابي الجليل ، قال ابن حجر : وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام ، فلذلك التمس من النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يحضر عنده ويصلي عليه ، ولا سيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه ، . . . ، ثم أورد ابن حجر ما يؤيد ذلك من الأدلة إلى أن قال : « . . . وكأنّ عبد اللّه بن أبيّ ، أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته فأظهر الرغبة في صلاة النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف اللّه الغطاء عن ذلك ، وهذا من أحسن الأجوبة فيما يتعلق بهذه القصة أ . ه فتح الباري 8 / 334 . ( 4 ) جاء في رواية الطبري بسنده عن قتادة : ( . . . ذكر لنا أن نبي اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - كلّم في ذلك - أي في تكفينه والصلاة عليه - فقال : ( وما يغني عنه قميصي من اللّه - أو ربي - وصلاتي عليه ، وأني لأرجو أن يسلم به ألف من قومه ) أ . ه جامع البيان 10 / 206 . ( 5 ) وهناك تعليل آخر ذكره ابن كثير ، وهو أنه إنما ألبسه قميصه مكافأة لما كان كسي العباس قميصا حين قدم المدينة ، فلم يجدوا قميصا يصلح له إلا قميص عبد اللّه بن أبي » اه . البداية والنهاية 5 / 32 . وذكر هذا البغوي والخازن عند تفسير قوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى الآية 39 من سورة النجم . انظر : لباب التأويل وبهامشه معالم التنزيل 6 / 223 . ( 6 ) انظر : الإيضاح ص 319 . والصحيح أنه صلى عليه ، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره . انظر : فتح الباري