علم الدين السخاوي

701

جمال القرّاء وكمال الإقراء

وكره « 1 » مالك - رحمه اللّه - أكل ما ذبح الكتابيون ، ولم يذكروا عليه اسم اللّه عزّ وجلّ ، وما ذبحوه لكنائسهم ، وما ذكروا عليه اسم المسيح ، ولم يحرّم ذلك عملا بظاهر قوله عزّ وجلّ : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ « 2 » . وقد قال اللّه عزّ وجلّ : وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ « 3 » ، وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ * « 4 » . وقال عطاء ، ومكحول ، وربيعة ، وعبادة بن الصامت ، ويروى عن أبي الدرداء : ( تؤكل وإن سمّوا عليها غير اسم اللّه تعالى ، ولو سمعته يقول : باسم جرجس « 5 » ! لأن اللّه عزّ وجلّ قد علم ذلك منهم وأباح لنا ذبائحهم « 6 » ، والصحيح انتفاء النسخ في هذه

--> ذلك عندنا ، أن هذه الآية محكمة فيما أنزلت لم ينسخ منها شيء ، وأن طعام أهل الكتاب حلال ذبائحهم ذكية . . . سمّوا عليها أو لم يسموا لأنهم أهل توحيد وأصحاب كتب اللّه يدينون بأحكامها ، يذبحون الذبائح بأديانهم كما ذبح المسلم بدينه ، سمى اللّه على ذبيحته أو لم يسمه . . . اه . جامع البيان 8 / 21 . وراجع لباب لتأويل 2 / 147 . ( 1 ) في د وظ : بدون واو . ( 2 ) انظره بنحوه في المدونة للإمام مالك 2 / 67 . وإنما كره مالك - رحمه اللّه - ما ذبح أهل الكتاب لأعيادهم وكنائسهم تورعا منه ، خشية أن يكون داخلا فيما أهلّ لغير اللّه به ، ولم يحرمه لأن معنى ما أهلّ لغير اللّه به عنده - بالنسبة لأهل الكتاب - إنما هو فيما ذبحوه لآلهتهم مما يتقربون به إليها ، ولا يأكلونه ، فأما ما يذبحونه ويأكلونه فهو من طعامهم ، وقد قال تعالى : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ، وهذه الفتوى من أظهر الأدلة على فقه الإمام مالك ودينه وورعه - رحمه اللّه - إذ لم يسارع إلى التحريم كما يفعل بعضهم اليوم ، واكتفى بالقول بالكراهية ، حيث وجد عمومين متعارضين : عموم ما أهلّ لغير اللّه به ، وعموم طعام أهل الكتاب ، وقد جمع بينهما . انظر : الحلال والحرام في الإسلام ص 60 . ( 3 ) البقرة ( 173 ) . ( 4 ) تقدم عزوها قريبا . ( 5 ) جرجيس : اسم نبي من الأنبياء - عليهم السلام - . انظر : اللسان 6 / 37 ( جرجس ) ، والقاموس 2 / 211 . ( 6 ) قال ابن قدامة : « قال إسماعيل بن سعيد : سألت أحمد عما يقرب لآلهتهم يذبحه رجل مسلم ، قال : لا بأس به ، وإن ذبحها الكتابي وسمى اللّه وحده حلت أيضا ، لأن شرط الحل وجد ، وإن علم أنه ذكر اسم غير اللّه عليها ، أو ترك التسمية عمدا لم تحل » قال حنبل : « سمعت أبا عبد اللّه قال : « لا يؤكل . يعني ما ذبح لأعيادهم وكنائسهم ، لأنه أهلّ لغير اللّه به ، وقال في موضع : « يدعون التسمية على عمد ، إنما يذبحون للمسيح ، فأما ما سوى ذلك ، فرويت عن أحمد الكراهة فيما ذبح لكنائسهم وأعيادهم مطلقا ، وهو قول ميمون بن مهران ، لأنه ذبح لغير اللّه وروي عن أحمد إباحته ، وسئل عنه العرباض بن سارية ، فقال : « كلوا وأطعموني ، وروي مثل ذلك عن أبي أمامة الباهلي : وأبي