علم الدين السخاوي
367
جمال القرّاء وكمال الإقراء
وقال بشر بن الحارث « 1 » : سمعت عيسى بن يونس « 2 » يقول : ( إذا ختم ( القرآن العبد ) « 3 » : قبل الملك بين عينيه ) « 4 » . قال : فينبغي له أن يجعل القرآن ربيعا لقلبه « 5 » ، يعمّر به ما خرب من قلبه ، فيتأدب بأدب القرآن ، ويتخلّق بأخلاق شريفة ، يتميز بها عن سائر الناس ، ممن لا يقرأ القرآن ، فأول ما ينبغي له : أن يستعمل تقوى اللّه تعالى في السر والعلانية باستعماله الورع في مطعمه ومشربه وملبسه ومسكنه ، وأن يكون بصيرا بزمانه وفساد أهله ، فهو يحذرهم على دينه ، مقبلا على شأنه مهموما بإصلاح ما فسد من أمره ، حافظا للسانه ، مميزا لكلامه ، إن تكلم تكلم بعلم ، إذا رأى الكلام صوابا ، وإن سكت سكت بعلم ، إذا كان السكوت صوابا ، قليل الخوض فيما لا يعنيه ، يخاف من لسانه أشد مما يخاف من عدوه ، يحبس لسانه كحبسه لعدوه ليأمن « 6 » من شره وسوء عاقبته ، قليل الضحك فيما يضحك منه الناس لسوء عاقبة الضحك ، إن سر بشيء مما يوافق الحق تبسم ، يكره المزاح خوفا من اللعب ، فإن مزح قال حقا ، باسط الوجه ، طيب الكلام ، لا يمدح نفسه بما فيه فكيف بما ليس فيه ، يحذر من نفسه أن تغلبه على ما تهوى مما يسخط مولاه لا يغتاب أحدا ، ولا يحقر أحدا ، ولا يسب أحدا ، ولا يشمت بمصيبة ، ولا يبغي على أحد ، ولا
--> ( 1 ) بشر بن الحارث بن علي بن عبد الرحمن المروزي ، أبو مضر المعروف بالحافي ، من كبار الصالحين ، ومن ثقات رجال الحديث سكن بغداد وتوفي بها ( 150 - 227 ه ) . تاريخ بغداد 7 / 67 وصفة الصفوة 2 / 325 ، والاعلام 2 / 54 . ( 2 ) عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السّبيعي - بفتح المهملة وكسر الموحدة - كوفي نزل الشام ، ثقة مأمون من الثامنة مات سنة 187 ه وقيل 191 ه التقريب 2 / 103 ، وصفة الصفوة 4 / 260 . ( 3 ) هكذا في الأصل . والأظهر : إذا ختم العبد القرآن وهو كذلك في كتاب أخلاق أهل القرآن ولفظة ( القرآن ) ساقطة من بقية النسخ . ومعنى ذلك : أي قبل الملك خاتم القرآن بين عينيه . ( 4 ) روى سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة قال : ( إذا ختم ( العبد ) القرآن قبل الملك بين عينيه ) ، حدث به أحمد بن حنبل فاستحسنه وقال : هذا من مخبآت سفيان . وقد روي ذلك عن سفيان من قوله ، ثم قال القرطبي : وأيهما كان فمثله لا يقال من جهة الرأي فهو مرفوع اه التذكار ص 68 . ( 5 ) الذي ظهر لي أن هذه العبارة هي جواب للكلام السابق من قوله : قال محمد بن الحسين : ينبغي لمن علمه اللّه . . . فينبغي له أن يجعل . . . الخ . ( 6 ) في : ظ : يأمن .