علم الدين السخاوي

289

جمال القرّاء وكمال الإقراء

( إنّ من حفظ القرآن من المسلمين لا تحرقه النار يوم القيامة إن ألقي فيها بالذنوب ) وقال غيره : كان هذا في عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم علما « 1 » لنبوته ودليلا على أنّ القرآن كلام اللّه ومن عنده ، ثم زال ذلك بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 2 » . وقيل : أراد بقوله : « ما احترق » القرآن لا الإهاب ، أي يحترق الإهاب ولا يحترق القرآن « 3 » . وكل هذه الأقوال غير مستقيمة : أ ) أما قول أبي عبيد : إنّه أراد الإهاب : قلب المؤمن وجوفه فتأويل لا دليل عليه لأن الإهاب : الجلد الذي لم يدبغ ، فاستعماله في جوف المؤمن أو قلبه من غير دليل : لا يصح ، وظاهر اللفظ أيضا يقتضي خلاف ذلك ، لأنّ هذا الكلام إنّما يقال على وجه الفرض والتقدير « 4 » ، أي لو قدر جعله في إهاب ، ثم ألقي في النار ما احترق الإهاب ، ولا يستغرب كون القرآن « 5 » في جوف المؤمن ( ثم إنّ جوف المؤمن ) « 6 » لا يلقى في النار دون جسده ، ثم إن أراد نار الدنيا فإنّا « 7 » لا نشك في احتراق من يلقي فيها من حفظة القرآن ، وقد وقع ذلك ، وإن أراد نار الآخرة « 8 » فبعيد أن يقال : لو ألقي قلب المؤمن في النار ما احترق . ب ) وأما قول الأصمعي : لو جعل القرآن في إنسان ثم ألقي في النار ما احترق أي أنّ من حفظ القرآن من المسلمين لم تحرقه النار يوم القيامة إن ألقي فيها : فذلك خلاف ما

--> اللغة والشعر والبلدان ، مولده ووفاته بالبصرة ( 122 - 216 ه ) تاريخ بغداد 10 / 410 . وجمهرة أنساب العرب 245 ، والبداية والنهاية 10 / 283 ، والأعلام : 4 / 162 . ( 1 ) في د وظ : وعلما . ( 2 ) ذكر هذا البغوي في شرح السنة 4 / 437 ، وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث 1 / 83 ، والمناوي في فيض القدير 4 / 324 ، وراجع اللسان 1 / 217 ( أهب ) . ( 3 ) قال البغوي : حكي عن الإمام أحمد بن حنبل قال : معناه : « لو كان القرآن في إهاب يعني في جلد في قلب رجل ، يرجى لمن القرآن محفوظ في قلبه أن لا تمسه النار » اه . شرح السنة 4 / 437 . ( 4 ) في د : أضاف الناسخ في الحاشية جوابا من عنده استحسنه ، بعض كلماته لا تقرأ ، ومفاده : أنّ هناك أعمالا صالحة ، من يعملها لا يدخل النار ، بل يدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب ، فلا عجب من عدم إحراق النار من زاد على تلك الأعمال الصالحة حفظ القرآن ، وأما قوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ففي معناها أقوال مختلفة ، فلا قطع بذلك ، واللّه أعلم . ( 5 ) في ظ : في قلب جوف المؤمن . ( 6 ) سقطت هذه العبارة من الأصل . ( 7 ) في د وظ : فإنّك لا تشك . ( 8 ) في وظ : وإن أراد بالآخرة .