علم الدين السخاوي
290
جمال القرّاء وكمال الإقراء
جاء في الأخبار الصحاح « 1 » أنّ المؤمنين يحرقون بتلك النار ، ويخرجون حين يخرجون منها وقد صاروا حمما « 2 » . ج ) وأما قول من قال : كان ذلك في عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم علما لنبوته ، فذلك أيضا غير صحيح ، لأنّ ذلك لم ينقل ، ولو كان كذلك لفعله المسلمون غير مرة ليقيموا به الحجة على المشركين . د ) وأما قول من قال : يحترق الإهاب ولا يحترق القرآن فكلام لا معنى تحته ، لأنّ ذلك من المعلوم ، لأنّ القرآن كلام اللّه ، والكلام لا يحترق إنّما تحترق « 3 » الأجسام وكذلك أيضا كلام الخلق ، لو كتب في كتاب وألقي في النار لاحترق الكتاب دون الكلام . وإنّما معنى الحديث عندي - والذي لا أعتقد سواه - : أنّ القرآن لو كتب في إهاب وألقي ذلك الإهاب في نار جهنم لم يحترق ، ولم تعد عليه النار احتراما للقرآن إذ لم يجعل لها سلطانا على ما هو وعاء له « 4 » . وأعلم اللّه عزّ وجلّ نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّ النار لا تعدو على ما كتب فيه القرآن ليكون ذلك بشرى لحملة القرآن وبسطا لرجائهم ، كما قال عزّ وجلّ : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ « 5 » أعلمنا اللّه عزّ وجلّ بذلك وهو الحق ليكون
--> ( 1 ) قال القرطبي : « الأحاديث الثابتة ترد هذا القول على ما دلّت عليه من إدخال من قرأ القرآن النار من الموحدين الذين قرءوه وحفظوه ولم يعملوا به ، ثم يخرجون بالشفاعة » اه ، التذكار في أفضل الأذكار ص 48 . ( 2 ) الحمم - بضم الحاء المهملة - : الفحم ، واحدته حممة ، والحمم كذلك الرماد والفحم وكل ما احترق من النار . اللسان 12 / 157 . ( 3 ) في د : يحترق . ( 4 ) قال المناوي : « أي لو صوّر القرآن وجعل في إهاب وألقى في النار ما مسته ، ولا أحرقته ببركته ، فكيف بالمؤمن المواظب لقراءته وتلاوته . . » اه فيض القدير 5 / 324 . ثم قال : قال الطيبي : وتحريره إنّ التمثيل وارد على المبالغة والفرض . . أي ينبغي ويحق أنّ القرآن لو كان في مثل هذا الشيء الحقير الذي لا يؤبه به ، ويلقى في النار ما مسته فكيف بالمؤمن الذي هو أكرم خلق اللّه ؟ وقد وعاه في صدره ، وتفكر في معانيه وعمل بما فيه كيف تمسّه فضلا عن أن تحرقه ؟ » اه . المصدر نفسه . وأقول : إنّ هذا هو الذي تميل إليه النفس وتستريح ، فليس كل من حفظ القرآن لا تمسّه النار ، ولكن من حفظه وتفكر فيه وعمل بما يحمله في طياته من مناهج وتعليمات وآداب وأوامر ونواهي ، فإنّ اللّه تعالى سيشفعه فيه ويدخله الجنة دون أنّ تمسّه النار كما جاء في النصوص النبوية والتي تقدم ذكر بعضها . ( 5 ) سورة الحشر : آية ( 21 ) .