محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي
16
اسئلة القرآن المجيد وأجوبتها من غرائب آي التنزيل
[ 21 ] فإن قيل : قوله تعالى : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ [ البقرة : 74 ] كلاهما بمعنى واحد ؛ فما فائدة الثّاني ؟ قلنا : التّفجّر يدلّ على الخروج بوصف الكثرة ، والثاني يدلّ على نفس الخروج . وهما متغايران ؛ فلا تكرار . [ 22 ] فإن قيل : ما الفائدة في قوله تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ [ البقرة : 79 ] والكتابة لا تكون إلّا باليد ؟ قلنا : فائدته تحقيق مباشرتهم ذلك التّحريف بأنفسهم ؛ وذلك ، زيادة في تقبيح فعلهم ؛ فإنه يقال : كتب فلان كذا ، وإن لم يباشره بنفسه ؛ بل أمر غيره به ، من كاتب له ونحو ذلك . [ 23 ] فإن قيل : التّولّي والإعراض واحد ، فكيف قال تعالى : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [ البقرة : 83 ] . قلنا : معناه : ثمّ تولّيتم عن الوفاء بالميثاق والعهد ، وأنتم معرضون عن الفكر والنظر في عاقبة ذلك . [ 24 ] فإن قيل : قوله تعالى : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [ البقرة : 96 ] ، ما فائدة قوله تعالى : وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ، وهم من جملة الناس ؟ قلنا : إنّما خصّوا بالذّكر بعد العموم ؛ لأنّ حرصهم على الحياة أشدّ ؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث . [ 25 ] فإن قيل : قوله عزّ وجلّ : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [ البقرة : 102 ] يدلّ على أنّ اللّه تعالى أنزل علم السحر على الملكين ؛ فلم يكن حراما ! قلنا : العمل به حرام ؛ لأنّهما كانا يعلّمان الناس السحر ليجتنبوه . كما قال اللّه تعالى : وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [ البقرة : 102 ] . نظيره لو سأل إنسان : ما الزّنا ؟ لوجب بيانه له ، ليعرفه ، فيجتنبه . [ 26 ] فإن قيل : قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [ البقرة : 102 ] . كيف أثبت لهما العلم أوّلا ، مؤكّدا بلام القسم ، ثمّ نفاه عنهم . قلنا : المثبت لهم أنّهم علموا علما إجماليا أنّ من اختار السحر ماله ، في الآخرة ، من نصيب ؛ والمنفي عنهم أنّهم لا يعلمون حقيقة ما يصيرون إليه من تحسّر الآخرة ، ولا يكون لهم نصيب منها ؛ فالمنفي غير المثبت ، فلا تنافي . [ 27 ] فإن قيل : كيف قال : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا