روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
99
عرائس البيان في حقائق القرآن
ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) : أقسم الحق سبحانه بإشارة الألف إلى استواء فردانية أزليته على قلوب المفردين من أهل التفريد ، وبإشارة اللام إلى كشف جماله للأرواح العاشقين الذين استقاموا مع اللّه بنعت التجريد ، وبإشارة الميم إلى محبة القدمية السابقة لسباق المحبين الذين استغرقوا في بحار التوحيد أنه تعالى لا يدفع من ادّعى محبته ومعرفته في مقام وصاله ، وكشف جماله في الدنيا بوصف السرمدية إلا ويبتليهم بعد التجلي بالاستتار وبعد كشف الأنوار بتعذيب الأسرار ؛ لاستيفاء حق الربوبية من العبودية وغيرة الأزلية على كون الحدث بالأسامي والنعوت في نعوته الأبدية . قال ابن عطاء : ظن الحق أنهم يتركون مع دعاوى المحبة ، ولا يطالبون بحقائقها ، وحقائق المحبة هي صبّ البلاء على المحب وتلذذه بالبلاء ، فبلاء يلحق جسده ، وبلاء يلحق قلبه ، وبلاء يلحق سره ، وبلاء يلحق روحه ، وبلاء النفس في الظاهر الأمراض والمحن ، وفي الحقيقة منعها عن القيام بخدمة القوي العزيز بعد مخاطبته إياه بقوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، وبلاء القلب تراكم الشوق ومراعاة ما يرد عليه في الوقت بعد الوقت من ربه والمحافظة على أحواله مع الحرمة والهيبة ، وبلاء السر هو المقام مع من لا مقام للخلق معه والرجوع إلى من لا وصول للخلق إليه ، وبلاء الروح الحصول في القبضة والابتلاء بالمشاهدة ، وهذا ما لا طاقة لأحد فيه ، ثم بيّن سبحانه أنه لا ينجو أحد من الأولين والآخرين من دركات الامتحان بقوله : وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ( 3 ) ، ميز بالتبوء بين الصادق والكاذب ؛ فتبين شكر الشاكرين في النعمة وصبر الصابرين في المحنة ودعوى الكاذبين بفرارهم عن البلاء والطاعة . قال ابن عطاء : يتبين صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء ، من شكر في أيام الرخاء وصبر في أيام البلاء فهو من الصادقين ، ومن بطر في أيام الرخاء وجزع في أيام البلاء فهو من الكاذبين ، ثم بيّن سبحانه أن الذين عاشوا في البطالة لم يبلغوا منازل الصديقين بالتمني والتجلي وأبواب مقادير سعادة الآزال مسدودة عليهم ، أيحسبون أن ينقضوا قضيات الحق السالفة فيهم بوصف الشقاوة والطرد والقطيعة ، ويبدلوها بقضياته السابقة بنعت الاصطفائية في حق المحبين المطيعين ؟ ! كلا ليس كما يحسبون ؛ فإن أحكام الأزلية مقدسة من