روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

100

عرائس البيان في حقائق القرآن

النقوض والنقائض بهوسات المفلسين البطالين . قال اللّه تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ، قال القاسم : أن يسبقوا ما كتبنا عليهم من محتوم القضاء وما قدر عليهم مما مضى الحكم فيهم ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 4 ) أي : باطل ما يعملون . قال الواسطي : إنما ذكر اللّه تنبيها للخلق ووصفا لهم بصفاتهم ونعوتهم قبل أن خلقهم ؛ كي يوقنوا أنهم لا يسبقونه بالقول والفعل ، وأنهم مرتبطون بما سبق لهم من الصفات ، وفيهم قال اللّه أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ ، ثم سلى قلوب المشتاقين إليه بقوله : مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ : من كان مستغرقا في بحر أشواقه فإن أوان كشف جماله وجلاله قريب من مشتاقيه الناجين من حبس النفس وحجابها ، فيرون الحق بلا حجاب وهو سميع لأهل الصفوة أسرارهم ، عليم بالتهاب قلوبهم بنيران محبته وشوقه ، قيل فليسأل ربه سؤال الملح المحتاج ، وليطلب منه طلب الراغب المشتاق . وقال أبو عثمان في قوله : فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ : تعزية للمشتاقين أي : أعلم اشتياقكم إليّ ، وأنا أجّلت لكم أجلا ، فعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون ، فتطيبوا نفسا ، وتنبهوا . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 6 إلى 9 ] وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 6 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 7 ) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ( 9 ) قوله : وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 6 ) « 1 » : نبّه الخلق أن ربوبيته منزّهة عن عبودية الخلق ، وأن صفات الحدث يرجع بنعوتها إلى الحدث ؛ لأنه مقدس عن النفع والضر ، وهو غنيّ عن وجود الخلق وعدمه ، فبيّن قيمة المجاهدة أنهم إذا جاهدوا ولم يظفروا بمأمولهم يعلمون أنهم يدورون حواليهم ، وأن الفضل من اللّه خاصّ لأهل الخصوص ممن عرفهم اللّه نفسه بلاكدّ ولا عناء .

--> ( 1 ) لأن نفع ذلك له فيتعبها ليريحها ، ويشقيها ليسعدها ، ويميتها ليحييها ، وعبر بالنفس لأنها الأمارة بالسوء ، وإنما طوى ما ادعى تقديره لأن السياق للمجاهدة .