روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
62
عرائس البيان في حقائق القرآن
قال أبو عثمان المغربي : من صدق مع اللّه في جميع أحواله فهم عنه كل شيء ، وفهم عن كل شيء فيكون له في أصوات الطيور ، وصرير الأبواب علما بعلمه وبيانا بتبيينه . قال الأستاذ : من كان صاحب بصيرة ، وحضور قلب باللّه يشهد الأشياء كلها باللّه ، ومن اللّه ليكون مكاشفا بها من حيث الفهم ؛ فكأنه يسمع من كل شيء ، وتعريفات الحق سبحانه للعبد بكل شيء من كل شيء لا نهاية له ، وذلك موجود فيهم محكي عنهم ، وكما أن صوت الطبل مثلا دليل يعرفون لسماعه وقت الرحيل والنزول ، فالحق سبحانه يخص أهل الحضور بفنون التعريفات من سماء الأصوات ، وشهود أحوال المرئيات في اختلافها كما قيل : إذ المرء كانت له فكرة * ففي كلّ شيء له عبرة وما قاله الأستاذ - رحمة اللّه عليه - دليل على قول خادمه : نشقني اللّه ما نشق أولياء وأنبياءه ، فقد أشرط أن أصوات الطيور والوحوش وغيرها لا يعرف نعتها ومعينها إلا الأنبياء والأولياء ، يعرفون معناها بغير نعتها ، وهذا كما قال أهل التفسير في قوله : عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ جعل ذلك من الطير كمنطق بني آدم إذ فهمه عنها . وقال مقاتل : كان سليمان عليه السّلام جالسا إذ مرّ به طير يصوت ، فقال لجلسائه : هل تدرون ما يقول هذا الطائر الذي مرّ بنا ؟ قالوا : أنت أعلم ، فقال سليمان : فإنه قال لي : السلام عليك أيها الملك المسلط على بني إسرائيل أعطاك اللّه سبحانه الكرامة ، وأظهرك على عدوك ، إني منطلق إلى فروخي ، ثم أمر بك الثانية ، وأنه سيرجع إلينا الثانية ، فانظروا إلى رجوعه ، قال : فنظر القوم طويلا إذ مرّ بهم ؛ فقال : السلام عليك أيها الملك ، إن شئت أن تأذن لي كي ما أكسب على فروخي حتى يشبعوا ثم آتيك فافعل ما شئت فأخبرهم سليمان بما قال فأذن له . وقال فرقد السبخي « 1 » : مرّ سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ، ويميل ذنبه ؛ فقال لأصحابه : أتدرون ما يقول هذا البلبل ؟ فقالوا : اللّه ونبيه أعلم ، فقال : يقول : أكلت نصف تمرة فعلى الدنياء العفاء ، فهذا وأمثالها معروف من سليمان ومن نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك معجزة فوق الكرامة ، ومما خصّ اللّه سليمان به العلم بنطق النملة والحشرات ؛ ليكون أدق في الفهم وأرق للسمع لكن صورة النملة وحركاتها بغير صوتها من حقائق الأفعاليات ، خطاب من الحق للأولياء والصديقين ، فلما لطف الأمر بعد قوله حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا ، وعرف قولها هاج سره إلى مزيد الشكر ، وقال : رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ سأل لسان الشكر من الحق ؛ فإنه كان عالما بأن شكره لا يمكن إلا به ، وقوله : وَأَنْ أَعْمَلَ
--> ( 1 ) فرقد السبخي أبو يعقوب العابد ، مات سنة 131 ه .