روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
61
عرائس البيان في حقائق القرآن
قال ابن عطاء : علما بربه ، وعلما بنفسه ، وأثبت لهم علمهم باللّه علم أنفسهم ، أثبت لهم علمهم بأنفسهم حقيقة العلم باللّه ، لذلك قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم اللّه وجهه : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » « 1 » . ثم بيّن سبحانه أنهما مخصوصان بما ذكرنا من علوم الحقائق ، وكل واحد منهما مخصوص بعلم من اللّه فورث سليمان علم أبيه الذي علمه اللّه من علوم الإلهية بقوله تعالى : وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ورث ما عند أبيه من علم العشق والمحبة والشوق وخصائص سره زيادة على ما علمه اللّه ، والولي الصادق العارف يرث من شيوخه علوم الحقائق بعد كونه مستعدا لذلك ، فيصير تلك الحقائق مقاماته إذا كان صادقا مستقيما في الإرادة ، لذلك قال عليه السّلام : « العلماء ورثة الأنبياء » « 2 » . قال ابن عطاء : ورث منه صدق اللجوء إلى ربه ، وتهمة نفسه في جميع الأحوال . ثم بيّن سبحانه أن سليمان أخبر الخلق عما وهبه اللّه من علمه بمناطق الطيور بقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ؛ لأن المتمكن إذا بلغ درجة التمكين يجوز له أن يخبر الخلق بما عنده من موهبة اللّه لزيادة إيمان المؤمنين ، والحجة على المنكرين ، قال تعالى : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [ الضحى : 11 ] ، وافهم أن أصوات الطيور والوحوش وحركات الأكوان جميعا هي خطابات من اللّه سبحانه للأنبياء والمرسلين والعارفين والصديقين والمحبين يفهمونها من حيث أحوالهم ، ومن حيث مقاماتهم ؛ فللأنبياء والمرسلين علم بمناطقها صرفا قطعيّا ، ويمكن أن ذلك يقع لولي ، ولكن أكثر فهوم الأولياء بها أنهم يفهمون من أصواتها ما يتعلق بحالهم بما يقع في قلوبهم من إلهام اللّه لا بأنهم يعرفون لغاتها بعينها ، وفي إشارة الحقيقة الطيور الأرواح الناطقة في الأشباح ينطق بالحق من الحق ، ونطقها تلفظ رموز الأسرار بلغة الأنوار ، ولا يسمعها إلا ذو فراسة صادقة قلبه وعقله شاهدان مشاهدة الحق ولطف الإشارة ، علمنا مناطق أطيار الصفات التي تعبر علوم الذات ، وأيضا علمنا منطق أطيار أفعاله التي تخبر عن بطون حكم الأزليات ، لذلك قال : وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي : أوتينا كل شيء علما باللّه ، وطريقا إلى اللّه إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( 16 ) إخبار عن رؤية المتفضل في فضله غير محجوب بالفضل عن المتفضل .
--> ( 1 ) ذكره المناوي في « فيض القدير » ( 1 / 225 ) ، والعجلوني في « كشف الخفاء » ( 2 / 343 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 68 ) ، وابن حبان ( 1 / 289 ) .