روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

415

عرائس البيان في حقائق القرآن

اللَّهِ : في هذه الآية بعض العتاب مع أهل المآب ، بأنهم لا يذوبون تحت موارد الخطاب الأزلي ، ولا يفنون في مشاهدة الصفات ، ولا يرونها عين الذات ، فإن من حقه أن يكون المخاطب بعد متابعة فانيا عن نفسه وعن الكون فيه ، ولو كانت الجبال مقامة في الخطاب لتدكدكت الجبال ، وتدرّرت ، وانفلقت الصخور الصم ، وانهدمت الشامخات العاديات في سطوات أنواره ، وهجوم سنا أقداره ؛ إذ كل حرف من خطابه أعظم من العرش والكرسي والجنة والنار والأكوان والحدثان ، وذلك بأنها عرفت حقيقته ، وأقرت بالعجز عن حمل هذا الخطاب العظيم ، حيث قال سبحانه : فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ( 72 ) ، « ظلمه » قيامه بإزاء القدم ، و « جهله » : قلة معرفته بحقائق العبودية والربوبية ، ولا تخض يا أخي في بحر كلام المتكلمين أن الجبال ليس لها عقل ، فإنّ هناك أرواحا وعقولا لا يعلمها إلا اللّه ، قال اللّه : يا جِبالُ أَوِّبِي ، لولا هناك ما تقبل الخطاب لما خاطبها ، فإن ببعض الخطاب ومباشرة الأمر تهبط من خشية اللّه ، قال اللّه : وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، والخشية مكان العلم باللّه وبخطابه ، وفيه إشارة أخرى في بيان شرف النبي صلى اللّه عليه وسلم وأمته ، بأنهم حملوا ما لم تحمله الجبال بقوتها ، هم يحملونه بذوق الخطاب ، وكشف النقاب ، والسرور بالمآب ، فإنهم حملوا بهذا الوجه عظائم كلمات ، لو حملتها الجبال الشامخات لذابت في رياحها ، كما قيل : ولو أن ما بي بالحصا فلق الحصا * وبالريح لم يسمع لهن هبوب قال ابن عطاء : أشار إلى فضله بأوليائه ، وأهل معرفته أن شيئا من الأشياء لا يقوم بصفاته ، ولا يبقى مع تجلّيه إلا من قوّاه اللّه على ذلك ، وهو قلوب العارفين ، فقاموا له به لا بغيره ، وهو القائم بهم لا هم وهكذا . قال الأستاذ : ليس هذا الخطاب على وجه العتاب معهم ، بل هو على سبيل المدح وبيان تخصيصه إياه بالقوة ، فقال : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ، لم يطق ، ولنخشع ، وهؤلاء خصّصتهم بهذه القوة حتى أطاقوا سماع خطابي . [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 22 إلى 24 ] هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 22 ) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 23 ) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 24 )