روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
416
عرائس البيان في حقائق القرآن
قوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ : هو إشارة غيب الغيب ، واللّه ظهور الغيب الذي رجوع الوصف إلى الغيب ، ولا نفى معارف وإله تلبيس ومكر تشغل المخاطب عنه بالاسم والرسم ، وإلا هو بيان حق الحقيقة ، وكشفها بنعت الهوية في الغيب ، فأول الخطاب نكرة ، وآخر الخطاب نكرة غيب في غيب ؛ إذ لا يعرف الأزل والأبد ، ثم وصف نفسه بأن غيبه مكشوف لعينه يرى الغيب كما يرى الظاهر ؛ إذ الغيب ظاهر والظاهر غيب ، وهو قوله : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ : « الغيب » : ما في صميم السر ومكامن روح الروح ونفس النفس ، و « الشهادة » : ما خرج من العدم عالم بالمعلومات الغيبية قبل وجودها ، وبعد وجودها لا يزيد علمه بالغيب علمه بالعلانية ، ولا علمه بالعلانية علمه بالغيب . قال سهل : « الغيب » : السر ، و « الشهادة » : العلانية ، ثمّ رجع إلى بيان الهوية التي هي مستورة عن الكل بقوله : هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ * : أبرز الصفة بعد غيبوبتها ، ونعت نفسه بالرحمة الواسعة بالمبالغة وتواثيرها الإيجاد وظهورها في الأفعال ، ثمّ رجع بعد الإظهار إلى ذكر الغيوب في الغيوب ، والنكرات في النكرات بقوله : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، ثمّ أبان الصفة بالفعل بقوله : الْمَلِكُ ، ثم أفرد الصفة عن الفعل ، فقال : الْقُدُّوسُ : مقدّس عن مباشرة الحدوثية ، ثم زاد وصف قدسه عن إدراك الحدث وعلل الكون بقوله : السَّلامُ ، ووصف نفسه بأنه ما من الخائفين بقوله : الْمُؤْمِنُ ، ثم وصف نفسه أيضا بأنه الصادق في وعده المصدق أولياءه بقوله : الْمُهَيْمِنُ ، ثم زاد في وصفه بأنه العالي عن همم الخلائق الممتنع بذاته عن إدراكهم لا يقوم في كبريائه الحدثان بقوله : الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ، ثم زاد في ذكر قدسه بقوله : سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ : عما يشيرون إليه بالنواظر والخواطر ، ثم زاد وصف غيبه وكنه الكنه ، وعين العين الظاهر بلباس الغيب ، ثم ذكر تأثير ظهوره بإظهار الخلق بقوله : هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ ، ثم بيّن لذاته النعوت والأسامي القديمة المقدسة عن الإشراك والإدراك بقوله : لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ، فلما ظهر بهذه الأوصاف ظهرت أنوار صفاته في الآيات ، وألبس أرواح نوره الأرواح والأشباح والأعصار والأدهار والشواهد والحوادث ، فسبّحه الكل بألسنة نورية غيبية صفاتية بقوله : يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، ثم بيّن أنه منزّه بتنزيهه عن تنزيههم وإدراكهم وعلمهم به بقوله : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ : « العزيز » : عن الإدراك ، « الحكيم » في إنشاء الأقدار تعالى اللّه عما أشار إليه الواصف الحدثاني ، واللسان الإنساني .