روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
414
عرائس البيان في حقائق القرآن
من تضييع العبودية والتفريط في مباشرة الشهوات التي حجبتهم عن اللّه ، ثم زاد التخويف في الآية الثانية ، وأمرهم بألا يكونوا كالذين نسوا اللّه ؛ حيث اشتغلوا بنفاذ شهواتهم ، وطلبهم حظوظ أنفسهم من رؤية الملكوت ، ونسوا طيب العيش مع اللّه وروح الأنس في مشاهدة اللّه ، وسكنوا منه بحظوظ النفس ، فلما وجدهم اللّه ساكنين عنه مشتغلين بغيره ، فأنساهم أنفسهم ؛ حيث لا يعرفونها ، ولا يعرفون طريق رشدها ووصولها إلى معادن الأول ، ولا يرشدهم طريق المآب إليه ، وأي شيء أعظم شقاوة ممن احتجب بنفسه عن اللّه . قال سهل : نسوا اللّه عند الذنوب ، فأنساهم اللّه الاعتذار وطلب التوبة ، وقد وقعت لي نكتة : بأن الإشارة في الحقيقة إلى المتّحدين والمتّصفين الذين غلب عليهم سكر الأنائية ، ورأوا وجودهم في عين الجمع ، فمن حدة السكر خرجوا بدعوى الأنائية ، وذلك بأن رؤية الصفة فيهم غلبت على رؤية الذات ، فبقوا في رؤية الصفات عن رؤية الذات ، ثم وقعوا في نور الفعل ، وبقوا عن رؤية الصفة ، فطابت قلوبهم بالشطارة ودعوة الأنائية ، وهذا مقام المكر ، فلما سكنوا في هذا المقام ولم يرتقوا إلى مدارج الفردانية أنساهم اللّه أنفسهم الحديثة حتى لم يروها في البين ، فبقوا بأنائيتهم عن رؤية الحق ، ولولا إنساء اللّه إياهم أنفسهم لوجدوا مقام العبودية أعلى مما هم فيه ؛ إذ فيه إفراد القدم عن الحدوث وحقيقة صرف التوحيد ، وهو مقام النبي صلى اللّه عليه وسلم ، حين عبّر عن هذا المقام ولم يتعلق ذيل همته بحظ الالتباس والمحبة ، ووصل إلى رؤية الأحدية ، واختيار العبودية بقوله : « أنا العبد لا إله إلا اللّه » « 1 » . [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 20 ] لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 ) قوله تعالى : لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أصحاب النار في الحقيقة أصحاب المجاهدات الذين احترقوا بنيرانها ، وأصحاب الجنة أصحاب المواصلات الذين وقعوا في روح المشاهدات ، وفي الظاهر أصحاب النار أصحاب النفوس والأهواء الذين أقبلوا على الدنيا ، وأصحاب الجنة أصحاب القلوب والمراقبات . قال الحسين : « أصحاب النار » : أصحاب الرسوم بالعادات ، و « أصحاب الجنة » : أصحاب الحقائق والمشاهدات . [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 21 ] لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) قوله تعالى : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ
--> ( 1 ) تقدمت الإشارة إليه .