روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

413

عرائس البيان في حقائق القرآن

إياهم رداء عظمته ، وتعظيمهم في عيون الكفرة والأضداد ، حتى فزعوا من رؤوسهم ، ولو أنهم تحققوا في معرفة اللّه لخافوه ولم يخافوا غيره ، فلما لم يصلوا إلى معرفة اللّه صارت أقدار الخلق أعظم من قدر اللّه في قلوبهم ، وذلك قوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ أي : لا يعرفون عظمة اللّه وقدرته ، فزعهم ، وخوّفهم بالواسطة من اللّه ، وهم لا يفقهون أن ذلك الخوف من لباس عظمة اللّه عليهم ، فما داموا لم يكونوا من أهل رؤية عظمته صرفا ألجأهم الفزع منه بالواسطة . قال الواسطي : لا يفقهون أن في ترك الدنيا مشاهدة الآخرة ، وفي مشاهدة الآخرة رفض الدنيا ، كما أن في مشاهدة الثانية وحضوره زوال عزة النفس ، وفي مطالعة صفات اللّه سقوط صفات العبد ، وملاحظة الحق لا يقاربها حب الدنيا ، ولا عزة النفس ، ولا رؤية الأفعال ، ولا رؤية الصفات ، فما دامت الشواهد والأعراض على سره أثر لم يفقهه ، ألا ترى اللّه يقول : لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ، والحق إذا تجلّى لقلب عبد أذهب عنه أخطار الأكوان وأهلها . [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 14 إلى 18 ] لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 14 ) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 15 ) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 16 ) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 17 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 18 ) قوله تعالى : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى : وصف اللّه قلوب المخالفين بالتشتت والتفرق في نياتهم وقصودهم وأرائهم ، بأنهم لا يرشدون طرق المآب إلى اللّه ، ولا يتوافقون بقلوبهم ، وإن توافقوا بأبدانهم ، وتلك التفرقة من عينهم عن رؤية محل الصواب . قال سهل : أهل الحق مجتمعين أبدا موافقين ، وإن تفرّقوا بالأبدان ، وتباينوا بالظواهر ، وأهل الباطل متفرّقين أبدا ، وإن اجتمعوا بالأبدان ، ووافقوا في الظواهر ؛ لأن اللّه يقول : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى . [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 19 ] وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 19 ) قوله تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ : حذّر اللّه المؤمنين مما قبل هذه الآية بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ ،