روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
41
عرائس البيان في حقائق القرآن
ثم أخبر عن مقالتهم عند شهودهم مشاهدته بقوله : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ أي : اجعل أزواجنا وذرياتنا من أهل معرفتك ومشاهدتك ليكونوا زيادة نور أبصارنا ، واجعلهم مطيعين لك ومعاونين لنا في خدمتك . قال جعفر : رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا معاونة على طاعتك ، ومن أولادنا حتى تقر عيننا بهم . ثم وصفهم بزيادة الدعاء على أنفسهم بأن يجعلهم أئمة الهدى ، وأن يجعلهم أئمة للمتقين أي : اجعلنا عرفاءك لنكون أئمة للزهّاد والعبّاد . يا فهم ، إن العارف واصل مراد يعرف من اللّه مكان الحقائق ، ومثله كمثل عنقاء مغرب ، ومثل الزهاد وأهل التقوى كمثل الطيور الصغار المختلفة . قال أبو عثمان : لا يكون إماما في التقوى من لم يصحح تقواه مع ربه ، وبقي عليه شيء من ذلك إنما الإمام المقدم في الشيء ، وإمام المتقين من يتقي كل شيء سوى اللّه . ثم أخبر سبحانه عما يجازيهم بمأمولهم : أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً ( 75 ) يجزون بغرف الوصال كشف أنوار الجمال بما صبروا في شوقه عنه به لا بغيره يسمعون سلام اللّه وتحيته واعتذاره إليهم ، والفرق بين السلام والتحية أن السلام سلامة العارفين في الوصال عن الفرقة ، والتحية روح تجلي حياة الحق الأزلي في أرواحهم وأشباحهم ، فيحيون بحياته أبد الآبدين خالِدِينَ فِيها دائمين في مشاهدة اللّه حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ( 76 ) حسنت مستقرا بهم ومقاما بهم بحسن جمال الحق . قال الترمذي : أهل الغرف كائن في أوائل الآية لا في آخرها ، وإنما وصف أهل الغرف بما يعقل من ظواهر أمورهم ، وإنما نالوها بما في باطنهم ، ألا تراه تعالى يقول : بِما صَبَرُوا ، والصبر في الأخلاق والآداب . قال الواسطي : التحية غير السلام ، السلام من عند اللّه ، والتحية صفرة الحياة مع الحق . وقال أيضا : التحية من اللّه إلى الروح كسوة يحيا الروح بحياته ؛ فلا يلاحظ غير من حياه وأكرمه وأدناه تحية من عند اللّه مباركة طيبة . وقال أيضا : التحية في الأصل ما يحيا به ، فيفرح الروح بذلك ، ويأنس به ، وقال : التحية في الدنيا على العقول بركات ما يقع عليها من طيب ما أجرى عليها . وقال بعضهم : التحية أنس الأسرار بالحي ، والسلام سلامة القلوب من القطيعة . وقال بعضهم في قوله : مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً : طاب فيها المقام ، وحسن فيها القرار .