روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
40
عرائس البيان في حقائق القرآن
شهود جماله بنعت الخجل والحيرة والحياء والفناء ؛ فيكون أوزاره أنواره وأنواره أسراره ، فإذا كان كذلك ؛ فإنه تعالى يتوب عليه بكشف المشاهدة ومداناة الوصلة ، وفتح خزائن جود القدم وحقائق ألطاف الكرم بقوله : فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ [ النساء : 17 ] . وقال عليه السّلام : « من تاب تاب اللّه عليه » « 1 » . ثم بيّن أن التائب الصالح العارف الصادق تقع توبته عند مشاهدة اللّه بقوله : وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً ( 71 ) . قال ابن عطاء : التوبة الرجوع من كل خلق مذموم والدخول في كل خلق محمود . وقال طاهر : التوبة أن يتوب من كل شيء سوى اللّه . ثم وصفهم بالقدس والطهارة عن شهود قلوبهم مشاهد الرياء والسمعة بقوله : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ لا يشهدون بقلوبهم وأسرارهم ما دون رؤية القدم ؛ فإن ما دون القدم يكون بالمحل كالعدم في العدم بالحقيقة ، وكل شيء يكون بنعت العدم فوجوده زور ؛ إذ لا حقيقة لوجوده مع وجود الحق الذي لم يزل ولا يزال موجودا حقيقيا . ثم زاد في وصفهم أنهم لم يلتفتوا في مرورهم على أهل الدنيا ومزخرفاتهم إلى دنياهم كرما وظرافة بقوله : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ( 72 ) . قال ابن عطاء : يَشْهَدُونَ الزُّورَ هو شهادة اللسان من غير مشاهدة القلب . وقال جعفر : الزور أماني النفس ومتابعة هواها . قال سهل : الزور مجالس المبتدعين . قال أبو عثمان فيما سأله عنه أحمد بن حمدان من قوله : يَشْهَدُونَ الزُّورَ قال : لا يخالطون المدعين . ثم زاد في وصفهم بالتنبه والتيقظ والاعتبار والفهم والإدراك في خطاب اللّه بقوله : وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً ( 73 ) إذا سمعوا كلام اللّه وقفوا عليه بنعت التدبر والتفكر فيه والاستكشاف والتبين ، فإذا وجدوا حقائق الخطاب أخذوا منه لطائف كنوز علوم الربوبية اللدنية ، وشاهدوا جمال الحق في كلام الحق . قال ابن عطاء : لم ينكروها ولم يعرضوا عنها بل أقبلوا على أوامرها بالسمع والطاعة ونعمة عين .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3826 ) ، ومسلم ( 4974 ) .