روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

372

عرائس البيان في حقائق القرآن

كشف لقائه له كفاحا ، وليس من يعلم منه بلا واسطة كمن تعلّم بواسطة ، فإذا أراد تعليم أرواح الأنبياء والأولياء حين أوجدها ألبسها نورا من نوره ، وبصرا من أبصاره ، وسمعا من أسماعه ، وعقلا من علمه ، ثم علّمها صفاته بما خاطبها من كلامه الأزلي ؛ حيث لا وسائل ولا وسائط ، وليس من علّمه الحق برسم الأرواح كمن علّمه المعلمون برسم الأشباح ، لا هناك علمهم بلا آلة الحدثية ولا علة المخلوقية ، بل كان خطابا بنعت ظهور الصفة ، وسماعا بلا واسطة ، فهموا من كلامه ما استتر من حقائقه على فهوم أهل الرسوم من العلماء . قال بعضهم : علّم آدم الأسماء ، ثم عرضهم على الملائكة ، وعلّم محمّدا صلّى اللّه عليه وسلم القرآن ، وعرضه على نفسه ، فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ وقال بعضهم : علّم الروح القرآن قبل الجسد ، فالأجساد أخذت القرآن ، وتعلّمته تبعا للأرواح . قال الواسطي : أورثهم تعليم الحق إيّاهم الاصطفائية ، وهو أنه لمّا كان الحق يعلّمهم أخبر عنهم ، فقال : أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ، أي : وأورثنا القرآن من خصصناهم بتعليمنا ، ومن ذلك قوله : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ، بأن تولى الحقّ تعليمهم . وقال أيضا : ذكر بلفظ الماضي عناية ورعاية . قال ابن عطاء : لمّا قال اللّه تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها : أراد أن يخص أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم بخاصية مثله ، فقال : الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ أي : الذي علّم آدم الأسماء ، وفضّله بها على الملائكة هو الذي علمكم القرآن ، وفضلكم به على سائر الأمم ، فقيل له : متى علّمهم حقيقة في الأزل ، وأظهر لهم تعلّمه وقت الإيجاد ، فالتعليم حيث كان في جملة العلم فلما كشف العلم عن الإيجاد أظهر عليهم آثار التعليم . قال الحسين : الرَّحْمنُ من علّم الأرواح القرآن شفاها ومخاطبة ، فأخذتها الأنفس ، وتعلمتها بتلقين الوسائط . قوله تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) أي : خلق آدم بظهور الصفة والذات له ، وإلباسه إيّاه علم الربوبية ، ومعرفة أسرار الإفعالية ، وعلّمه أسماءه الحسنى التي هي مفاتيح جميع صفاته ، وذلك قوله : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ، وقوله : خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ : علّمه بيان خطابه ، وكاشف له لطائف أسراره ، وعرّفه بطون علم أفعاله ، وأعطاه العقل القدسي الذي يرى الأشياء كما هي بنوره وبرهانه ، و « علم البيان » أي : فصل الخطاب ، وانتظام الكلام ، وفصاحة اللسان في تأويل القرآن وسنة