روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

187

عرائس البيان في حقائق القرآن

استبعدوا اصطفائية حبيبه بالوحي ، ولم يعرفوه بأنه أثر اللّه في العالم ، ومشكاة تجليه حتى قالوا مثل ما قالوا : عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ، رأوه ونفوسهم خالية عن مشاهدة الغيوب ، وإدراك نور صفات الحق ، فقاسوا نفس محمد صلى اللّه عليه وسلم بأنفسهم ، ولم يعلموا أنه كان نفس النفوس ، وروح الأرواح وأصل الخليقة ، وباكورة من بساتين الربوبية ، يا ليت لهم لو رأوه في مشاهد الملكوت ، ومناصب الجبروت أن خاطبه الحق ب ( لولاك لما خلقت الأفلاك ) . قال بعضهم : في قوله : عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ : لما أكرمناهم به من أشرف الرسل ، فلم يعرفوا حقه ، ولم يشاهدوا ما خصوا به من فنون المباركات والكرامات . [ سورة ص ( 38 ) : آية 17 ] اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 17 ) قوله تعالى : اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ : كان خاطر النبي صلى اللّه عليه وسلم أرق من ماء السماء بل ألطف من نور العرش والكرسي من كثرة ما ورد عليه نور الحق ، فكان ملطفا بنور نوره ، س مرفقا بلذائذ محبته وشوقه ، لا يحتمل زحمة مقالة المنكرين ، وهذا من كمال جلاله في المعرفة ، لا أنه لم يكن صابرا في مقام العبودية ، بل كان جليس الحق وأهل ملكوته ، وسرادق مجده كيف يسمع سخرية المستهزئين على دينه وشريعته ! فمع ذلك أمره الحق بالصبر على ما قالوا ، وأعلمه بأن ذلك امتحان من ولاية القهر ، والواجب على العاشق الصادق أن يستقيم في مشاهدة القهر كما يستقيم في مشاهدة اللطف ، وأصل الصبر التلّبس بنعت صبر الأزل حتى يمكن احتمال أثقال امتحانه به ، وإلا كيف يحمل الحدث وارد القدم وأمره له بالاتصاف به ! ومع ذلك ذكره شأن داود عليه الصلاة والسلام في صبره على ما قالوا فيه حين عشق بعروس من عرائسه حين تجلى الحق منها له ، فإنه كان عاشق الحق ، وكان في مبادئ عشقه ، فسلاه بواسطة من وسائطه حتى لا يفنى فيه به ، ثم زاد في وصفه حين قوى في المحبة بالقوة الملكوتية بقوله : ذَا الْأَيْدِ : واهب نفسه له حامل أثقال قهره به راجع من الوسيلة إلى الأصل بقوله : إِنَّهُ أَوَّابٌ : رجع إلى الحق بنعت الندم على ما سلف من أيامه في الفترة من عين القدم بغيره من أهل العدم ، وإن كان طريقا منه إليه ، أي : كن يا محمد كداود في بلائي ، فأنا بلاء الأنبياء والمرسلين والعرفاء والصديقين . وقال شاه الكرماني : الصبر ثلاثة أشياء : ترك الشكوى ، وصدق الرضا ، وقبول القضاء بحلاوة القلب . وقال بعضهم : هو الفناء في البلاء بلا ظهور اشتكاء .