روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

188

عرائس البيان في حقائق القرآن

قال بعضهم : ذَا الْأَيْدِ ذا الصبر في أمر دينه « 1 » . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 18 إلى 19 ] إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ ( 18 ) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ( 19 ) قوله تعالى : إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ : هذا التسخير وقوع نور الفعل معها ، ومباشرة أنوار الصفات فيها بواسطة الفعل ، فيظهر روح الفعل فيها ، فتقبل فيض الصفة من الصفة ، فصارت خاضعة متخشعة في نور عظمته تعالى ، فلما وصل إليها ألحان داود من حيث روحه العاشقة ترنمت بألحان العشق من أغصان ورد الجمال والجلال ، فتحركت من لذة سماع صوت داود وتسبيحه وتنزيهه ، فوافقت داود في الذكر والتسبيح ، وكذلك الطيور إذا سمعت أصوات الوصلة منه صفرت بصفير التنزيه وتقديس من وجدان حلاوة وجد داود وإدراك روح الملكوت ؛ لأنهن مقدسات خلقن مستعدات لقبول أنوار فعل الخاص وأشكال الروحانيات ، وفيهن خويصات لهن عشق ومعرفة كالهدهد والبلبل والعندليب والقمري والحمامة ومالك الحزين ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يعرف أصواتهن وتسبيحهن من حيث المحبة والعشق ، ألا ترى كيف أنشد : ربّ ورقاء هتوف بالضّحى * ذات شجو صرخت في فتن فبكائي ربّما أرّقها * وبكاءها ربّما أرّقني هي أن تشكو فما تشكو فما أفهم * وإذا أشكو فما تفهمني غير أنّي بالجوى أعرفها * وهي أيضا بالجوى تعرفني وخاصية العشي والإشراق أن فيهما زيادة ظهور أنوار قدرته القديمة وآثار بركة عظمته العظيمة ، وأن وقت الضحى وقت صحو أهل السكر من خمار شهود المقامات المحمودة ، وأن العشي وقت إقبال المقبلين إلى مشاهد المناجاة وإدراك أنوار المشاهدات واستماع طيب الخطابات . قال محمد بن علي الترمذي : لما أخلص هو في تسبيحه لربه جعل اللّه الجماد يوافقه في تسبيحه ويعينه على عبادته . قال ابن عباس : كان يفهم تسبيح الحجر والشجر بالعشي والإشراق . وقال الأستاذ : كان يفهم تسبيح الجبال على وجه تخصيصه به ؛ كرامة له ومعجزة ،

--> ( 1 ) أي القوى العظيمة في تخليص نفسه من علائق الأجسام ، فكانت قوته في ذلك سببا لعروجه إلى المراتب العظام . نظم الدرر ( 7 / 178 ) .