روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

171

عرائس البيان في حقائق القرآن

الاشتغال . وقال الجنيد : أحيا أقواما بالراحة فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 55 ] ، فهم متقلبون في الراحة واللقاء والرضوان والمشاهدة ، ثم منّ عليهم زيادة منه ، فقال : إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ : شغلهم حظوظ الأنفس عن هذا المعدن وهذا المشهد . وسئل بعض المشايخ عن قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أكثر أهل الجنة البله » « 1 » قال : لأنهم في شغل فاكهون ، شغلهم النعيم عن المنعم . وقال الحسين : إن الحق قطع أهل الجنة بتجليه عن الالتذاذ بالجنة ؛ لأنه أفناهم بتجليه عنها ؛ لئلا تدوم بهم اللذة ، فيقع بهم الملك فرجوعهم إلى إياهم بعد تجلي الحق لهم يوفر اللذة عليهم ، والحق لا يلتذّ به . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 58 إلى 60 ] سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ( 58 ) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ( 59 ) أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) قوله تعالى : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ( 58 ) : سلام اللّه أزلي الأبد غير منقطع من عباده الصادقين في الدنيا والآخرة ، لكن في الجنة يرفع عن آذانهم جميع الحجب ، فسمعوا سلامه ، ونظروا إلى وجهه كفاحا . قال ابن عطاء : السلام جليل الخطر ، عظيم المحل ، وأجله خطر ما كان في المشاهدة والمكافحة من الحق حين يقول : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ : من استقام عليه فقد ظهر عليه سرّ الربوبية ، وشغله ذلك السرّ به عن الطاعة والمعصية ، قد حضر لي نكتة أن السلام يكون بالقول والكلام من رب رحيم يربيهم بمشاهدته ويرحمهم ؛ لئلا يحجبهم عن جماله أبدا . قال الأستاذ : الرحمة في تلك الحالة أن يرزقهم الرؤية في حالة ما سلم عليهم ليكمل لهم النعمة . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 61 إلى 67 ] وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ( 62 ) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 63 ) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 64 ) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 65 ) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ( 66 ) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ( 67 )

--> ( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 1 / 362 ) ، وابن عدي في الكامل ( 3 / 313 ) .